موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 4 مشاركة ] 
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: القاضى بكار بن قتيبة قاضى قضاة مصر
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس فبراير 13, 2014 5:13 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 3446
[size=200]

مشهد القاضى بكار


فى زيارة لسيدى الإمام الشافعى رضى الله تعالى عنه وجد تربة القاضى بكار وهى بأول شارع السيدة نفيسة رضى الله تعالى عنها من جهة الإمام الشافعى وتعتبر على يسار السالك لهذا الشارع

صورة


صورة


صورة

صورة


صورة
هذا ضريح ريحانة العلماء العاملين القاضى بكار ابن قتيبة العربى القرشى قاضى قضاة مصر المرسل من بغداد من لدن الخليفة العباسى المتوكل على الله جعفر بن المعتصم فى أيام واليه على مصر الامير أحمد بن طيلون توفى فى ذى الحجة سنة 370هـ قدس الله سره
القاضى بكار بن قتيبة بن أسد بن عبد الله بن بشر بن أبى بكره بن الحارث بن مخلدة مولى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أهل البصرة :
و يعد أبو بكرة بكار بن قتيبة بن أبي برزعة بن عبد الله الثقفي، واحد من أكبر القضاة في تاريخ مصر الإسلامية. وهو ينتمي في نسبه إلى الحارث بن كلدة صاحب الرسول عليه الصلاة والسلام. كان من فقهاء بغداد المعدودين، أرسله الخليفة العباسي المتوكل لتولي قضاء مصر، واشتهر القاضي بكار بسلوكه القضائي العفيف والمترفع وبورعه الشديد، فقد كان يبكي بعد كل حكم قضائي يصدره خوفاً من أن يكون قد ظلم أحداً، كما كان يكثر الوعظ للخصوم قبل حلف اليمين من مغبة اليمين الكاذب. ولقد كان أحمد بن طولون - والي مصر في فترة قضاء القاضي بكار - يرتاد مجالسه أنساً بفقهه وورعه ويرسل إليه كل شهر ألف دينار خارجاً عن المقرر له. وقد حدث أثناء الخلاف الشهير بين
ويقول شمس الدين الذهبى :
كان عالمًا جليلاً ومحدثًا ثقة وقاضيًا عادلاً مشهورًا بالزهد والورع يعرفنا به الإمام شمس الدين الذهبي فيقول هو: بكار بن قتيبة بن أسد بن عبيدالله بن بشير بن صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبي بكرة نفيع بن الحارث، الثقفي البكراوي البصري، القاضي الكبير، العلامة المحدث، أبو بكرة، الفقيه الحنفي، قاضي القضاة بمصر، مولده في سنة اثنتين وثمانين ومئة بالبصرة * كان أحد البكائين التالين لكتاب الله ـ عز وجل ـ كما يصفه القاضي شمس الدين ابن خلكان وكان عظيم الحرمة، وافر الجلالة من العلماء العاملين، كان السلطان ينزل إليه، ويحضر مجلسه كما يقول الإمام الذهبي، ويصفه ابن كثير بأنه كان عالماً عابداً زاهداً كثير التلاوة والمحاسبة لنفسه ، ويقول عنه الحافظ محمد بن عبد المنعم الحميري صاحب "الروض المعطار في خبر الأقطار ": كان في فضله وعقله ودينه وورعه على ما لم يكن عليه قاض *وقد روى عنه - رحمه الله - الطحاوي فأكثر وبه انتفع وتخرج، وروى عنه أيضًا أبو عوانة في " صحيحة " وأبو بكر ابن خزيمة إمام الأئمة وعني بالحديث، وكتب الكثير، وبرع في الفروع، وصنف واشتغل . وقد كان من أفقه أهل زمانه في المذهب الحنفي ومما صنفه " الشروط " وكتاب " المحاضر والسجلات " وكتاب " الوثائق والعهود "وهو كبير. وصنف كتابا جليلا، نقض فيه على الشافعي، - رحمه الله -، رده على أبي حنيفة ، ولهذا الكتاب قصة تبين لنا طبيعة القاضي العادل الذي اعتاد على التحري والتقصي قبل الشروع في الحكم حتى يتيقن من إقامته للعدل فيحكم وهو مستريح الضمير، فقد كان للقاضي بكار - رحمه الله - كما يقول ابن زولاق اتساع في العلم والمناظرة، ولما رأى " مختصر المزني " وما فيه من الرد على أبي حنيفة، شرع هو في الرد على الشافعي، فقال لشاهدين من شهوده: اذهبا واسمعا هذا الكتاب من أبي إبراهيم المزني، فإذا فرغ منه فقولا له: سمعت الشافعي يقول ذلك وتشهدا عليه به؟ فمضيا وسمعا من أبي إبراهيم " المختصر "، وسألاه: أنت سمعت الشافعي يقول ذلك؟ قال: نعم، فعادا إلى القاضي بكار، وشهدا عنده على المزني أنه سمع الشافعي يقول ذلك، فقال القاضي بكار: الآن استقام لنا أن نقول: قال الشافعي، ثم رد على الشافعي هذا الكتاب . فهذا هو منهج القاضي العادل قد صار أسلوب حياة لا يكاد يفارقه.
ورعه وخشيته: القاضي بكار كما عرفنا كان واحدًا من الزهاد العباد الخاشعين الذين تظل غايتهم الكبرى هي رضا الله - عز وجل - يسعون إلى هذه الغاية سعيًا بينما تتقلب أحوالهم بين الخوف والرجاء..لا يلتفتون إلى زخارف الدنيا ولا يلقون بالاً لزينتها، ويرون أن أجمل ما فيها هو التقرب إلى الله عبر مجاهدة النفس وتنقية الروح والإخلاص في القول والعمل..ودائمًا ما يحاسبون أنفسهم أشد ما يكون الحساب. هكذا كان القاضي بكار - رحمه الله - حيث كانت أفعاله وأقواله تجسيدًا حيًّا لمبادئ ديننا الإسلامي ولقيمه ولأخلاقه، تخبرك حياته أن مفتاح شخيصته هو الخوف من الله، ولأن الخوف من الله يمحو من النفس كل خوف ويرسخ فيها معاني الشجاعة والعدل و العفة والصبر فإن هذه هي الصفات التي نراها بارزة في شخصية القاضي ـ رحمه الله ـ. وقد جعله خوفه من الله - سبحانه - لا يصدر حكمًا في قضية من القضايا إلا بعد حساب دقيق ومراجعة قوية وتيقن وتثبت من أنه استوفى كل ما يجب عليه أن يستوفيه حتى يحقق العدالة التامة إلا أن خوفه وإشفاقه يظلان يشعرانه دائمًا بالتقصير ويحثانه على محاسبة نفسه التي يبغي لها أن تصل إلى الغاية ويخشى عليها أن تحيد عن الطريق، يروي لنا أحمد بن سهل الهروي قصة تبين لنا مدى خشيته وإشفاقه على نفسه وشعوره بعظم المسؤوليه التي ألقيت على عاتقه بتوليه القضاء فيقول: " كنت ساكنا في جوار بكار بن قتيبة، فانصرفت بعد العشاء، فإذا هو يقرأ: ( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) قال: ثم نزلت في السحر، فإذا هو يقرؤها، ويبكي، فعلمت أنه كان يتلوها من أول الليل ، وكان - رحمه الله - دائمًا ما يكثر البكاء، وهو يبين لنا السبب ببيت شعر كان يردده:
لنفسي أبكى لستُ أبكي لغيرها *** لعَيْبِي في نفسي عن الناس شاغل ،
مكانته عند الخليفة المتوكل: وكان للقاضي بكار مكانة كبيرة عند المتوكل على الله الخليفة العباسي الذي أظهر السنة، وتكلم بها في مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وبسط السنة، ونصر أهلها،. يروي لنا ابن الملقن في كتابه " طبقات الأولياء " قصة تبين لنا عظم المكانة التي نالها القاضي بكار عند الخليفة المتوكل، بل هي تكشف لنا عن القدر الكبير الذي وصل إليه بين أهل عصره نتيجة لورعه وزهده وعلمه، فقد اختاره المتوكل قاضيًا على مصر وأرسل إليه من يبشره بذلك فأعطى بكار الرجل الذي جاءه بتقليد القضاء رغيفين، " فاستحقرهما وقال: "وا خيبة طريقاه! ". ففرط في أحدهما في الطريق، وأعطاه المتوكل على الرغيف الآخر ألف دينار، وقال: لو أتيتني بالآخر أعطيتك مثلها!..... ، وعندما أراد المتوكل بناء مقياس للنيل لم يكتب إلى والي مصر أو إلى أحد كبرائها وإنما كتب إلى القاضي بكار أن يندب إلى المقياس أميناً، فاختار لذلك أبا الرداد عبد الله بن عبد السلام المؤدب،، وهذا يدل على عظم الثقة التي كانت للقاضي عند الخليفة العباسي.
مكانته عند أمير مصر أحمد بن طولون: من المشهور عن أحمد بن طولون أنه كان يحب أهل العلم ويقربهم، بل إن ابن طولون نفسه كان عالمًا وتفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة ، وقد كان للقاضي بكار عند ابن طولون مكانة خاصة كوَّنها حب ابن طولون للعلم ورغبته الدائمة في التزود منه وإدراكه للمكانة التي وصل إليها بكار والتي جعلته في مقدمة العلماء إضافة إلى عدل القاضي وصلاحه وهيبته ونفاذ بصيرته وزهده الذي يجذب إليه القلوب، يقول الطحاوي: وكان الأمير أحمد بن طولون من المعرفة بحقه والميل إليه والتعظيم لقدره على نهاية ،
ومن المشاهد التي تصور إجلال ابن طولون للقاضي بكار وهي أيضًا تعكس لنا شغف ابن طولون بالعلم ما يروى عن الطحاوي من أنه قال: ولا أحصي كم كان أحمد بن طولون يجيء إلى مجلس بكار وهو على الحديث ومجلسه مملوء بالناس، ويتقدم الحاجب بقول: لا يتغير أحد من مكانه فما يشعر بكار إلا وابن طولون إلى جانبه، فيقول له: أيها الأمير ألا تركتني حتى، كنت أقضي حقك وأؤدي واجبك! أحسن لله جزاءك وتولى مكافأتك، ؟
وكان ابن طولون إذا حضر جنازة لا يصلي عليها غيره، إلا أن يكون بكار حاضراً، ولما مات يحيى بن القاسم العلوي كانت جنازته حافلة، فحضر ابن طولون وبكار، بعد أن صلى الناس على الجنازة فقال ابن طولون: حطوا النعش، وقال بكار: تقدم فصل عليه، فقال له كم أُكبّر؟ قال: خمساً، فتقدم بكار فصلى عليه وكبر خمساً، وأعاد أكثر الناس الصلاة عليه مع بكار، ولم يكن يصلي أحد على الجنازة غير ابن طولون إذا حضر؛ لأن ذلك هو المعمول به في المذهب الحنفي، فالخليفة ـ عندهم ـ أولى إن حضر ثم إمام المصر، وهو سلطانه، ثم القاضي، ثم صاحب الشرط، ثم خليفة الوالي، ثم خليفة القاضي، ثم إمام الحي ، وقد كان ابن طولون يقدم القاضي بكار إذا كان حاضرًا إقرارًا منه بمكانته ومعرفة بفضله.
في مجلس القضاء: يصف ابن عساكر ما بذله القاضي بكار من العدل في أحكامه أثناء توليه القضاء في مصر و عفته و جهده الذي بذله ليثبت دعائم الحق وما ترتب عن ذلك من رضا أهلها به وحبهم له فيقول: وكان من الحمد في ولايته عليها ومن القبول لأهلها إياه ومن عفته عن أموالهم ومن سلامته في أحكامه ومن اطلاعه بذلك على نهاية ما يكون عليه مثله حتى لو كانت أخلاقه ومواهبه هذه فيمن تقدم لكان يبين بها عن كثير منهم ، وقد تداولت الألسنة وسجلت كتب التاريخ والتراجم الكثير من الصور التي تبين زهد القاضي وعدله حتى إن ابن خلكان يقول: وقد ظهر من حسن سيرته وجميل طريقته ما هو مشهور، والحقيقة أن ما نقرأه عن هذا الرجل يوضح لنا أنه بلغ الغاية في ترسيخ مبادئ العدل ورد الحقوق والدفاع عن الضعفاء والتنزه والتعفف والحياء وقد كان يرى بطبيعته الصادقة أن العدل والتعفف في القاضي أمر طبعي لا يستحق ذكرًا أو مدحًا وأن حدوث العكس أمر يحير العقل ويبعث على التعجب، قدم قوم من أصحاب الحديث ليسمعوا منه فقال: من أي البلاد أنتم؟ قالوا: من الرملة قال: ما حال قاضيكم، قالوا: عفيف، فقال بكار: إنا لله، يقال قاض عفيف! فسدت الدنيا.
وفي كل قضية من القضايا التي أوردتها كتب التراجم للقاضي بكار يتبين لنا مدى حرصه على المساواة في تطبيق الأحكام على الجميع دون تفرقة، لا يلتفت أثناء ذلك إلى مكانة أو إلى صداقة، يتعامل مع أمير مصر كما يتعامل مع أي فرد من أفراد الرعية، ومما يروى في ذلك أنه مات رجل وعليه مال للأمير وله أطفال، فطلب عامل الخراج من أحمد بن طولون أن يأمر القاضي ببيع داره فيما عليه، فأرسل ابن طولون إلى بكار في ذلك، فقال: حتى يثبت عليه الدين، فأثبتوه وسألوه البيع، فقال: حتى يثبت عندي أنه ملكه، فأثبتوه ثم سألوه البيع، فقال: حتى يحلف من له الدَّين، فحلف ابن طولون، فقال بكار: أنا الآن فقد أمرت بالبيع.
وهناك رواية ليست تدل على عمق إيمان القاضي فحسب، وإنما تخبرنا أيضًا أنه نشأ نشأة إيمانية، وأن تعلقه بالله وخوفه منه كان منذ يفاعته وأن هذا الخوف ظل متمكنًا منه لم يفارقه حتى لقي الله - سبحانه -، يحكي لنا أبو حاتم ابن أخي بكار هذه الحكاية فيقول: قدم على عمي رجل من البصرة له علم وزهادة ونسك فأكرمه وقربه وأدناه، وذكر أنه كان معه في المكتب، فمضت به الأيام فجاء في شهادة ومعه شاهدان من شهود مصر فما قبل شهادته، فقلت لعمي: هذا رجل زاهد وأنت تعرفه، قال: يا ابن أخي ما رددت شهادته إلا أنه كنا صغاراً وكنا على مائدة عليها أرز وفيه حلوى فنقبت الأرز بإصبعي فقال لي: ( أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) فقلت له: أتهزأ بكتاب الله - تعالى -على الطعام ثم أمسكت عن كلامه مدة، وما أقدر على قبوله وأنا أذكر ذلك منه.
ومن الأمور التي تبين لنا شدة تحري القاضي وحرصه على أن لا يحكم في قضية إلا بعد أن يتأكد من إقامته لكل ما يضمن لحكمه أن يكون عادلا حتى يخلي ذمته أمام الله ـ - عز وجل - ـ أنه كان يكثر الوعظ للخصوم ويتلو عليهم: ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) - هذا مع كل حالف، فمنهم من يرجع عن اليمين؛ وكان - رحمه الله - يحاسب أمناءه في كل شهر ويسأل عن الشهود.
ورغم ذلك فإنه كان ـ كما ذكرنا من قبل ـ يخاف من التقصير ويخشى الزلل فيحاسب نفسه أشد ما يكون الحساب ويستحضر في مخيلته موقفه أمام الله يوم القيامة فيفزع ويرتعد و مما يروى عنه في ذلك أنه كان إذا فرغ من الحكم خلا بنفسه وعرض عليها قصص جميع من تقدم إليه وما حكم به وبكى، وكان يخاطب نفسه ويقول: يا بكار، تقدم إليك رجلان في كذا، وتقدم إليك خصمان في كذا، وحكمت بكذا، فما يكون جوابك غداً.
محنة القاضي على يد ابن طولون: القارئ لسيرة ابن طولون سيعرف أنه كان ممن يقدر مكانة الخلافة ويبجل الخليفة، هذا في الوقت الذي ضعفت فيه الخلافة العباسية وكثر شغب الأتراك على خلافائها، و قد كان ابن طولون شديد الإزراء على الترك وأولادهم لما يرتكبونه في أمر الخلفاء، غير راض بذلك، ويستقل عقولهم ويقول: حرمة الذين عندهم مهتوكة ، وكان الخليفة المستعين يقدر له ذلك فكان إذا دخل عليه مع الأتراك في الخدمة أومأ إليه الخليفة بالسلام سرا، واستدام الإحسان إليه ووهب له جارية اسمها مياس، فولدت له ابنه خمارويه. وبعد أن خلع الأتراك الخليفة ونفوه إلى واسط وسألوه من يكون في صحبته اختار ابن طولون لما يعرفه فيه وعندما طلب الأتراك من ابن طولون قتل المستعين مقابل أن يولوه مدينة واسط كتب إليهم: لارآني الله قتلت خليفة بايعت له أبدا! ، وعندما ولي ابن طولون على مصر قال حين دخلها: غاية ما وعدت به في قتل المستعين واسط، فتركت ذلك لله - تعالى -، فعوضني ولاية مصر والشام.
هذا هو مبدأ ابن طولون الذي ظل ثابتاً عليه ولم يغيره، فللخليفة مكانته التي يجب أن تصان، وكلمته التي يجب أن تطاع و التعدي عليه أو سلبه أي حق من حقوقه من الأمور المزرية التي تشين من يقوم بها. وعندما صارت الخلافة إلى المعتمد ولى أخاه الموفق طلحة أمر الجيش والولايات، كان له الأمر والنهي ولم يكن للمعتمد من الخلافة إلا اسمها ـ كما يقول المؤرخون ـ فغاظه ذلك وراسل ابن طولون الذي زين له القدوم لمصر فقرر المعتمد أن يلحق بابن طولون، إلا أن الموفق أرسل إلى المعتمد من يرده، وكان ابن طولون قد تجهز لاستقبال المعتمد ووصل إلى دمشق حتى قال أحد شعرائها وهو قعدان بن عمرو:
من مبلغ مضر الشآم وما حوت *** مصر ومن هو متهم أو منجد
ما بالكم هضتم جناح سنانكم *** بتواكل من فعلكم لا يحمد
أنى فكيف يطيب لا أدري لكم *** خفض المعيشة والإمام مقيد
في السجن ينشج باكيا يدعوكم *** للنصر منه مذلة متلدد
حزنان أفرد من بنيه وأهله *** بأبي وأمي المستضام المفرد
فجمع ابن طولون العلماء والأعيان، وقال: قد نكث الموفق أبو أحمد بأمير المؤمنين، فاخلعوه من العهد فخلعوه، إلا بكار بن قتيبة، وقال: أنت أوردت علي كتاب المعتمد بتوليته العهد، فهات كتابا آخر منه بخلعه. قال: إنه محجور عليه ومقهور؟ قال: لا أدري. فقال له: غرك الناس بقولهم: ما في الدنيا مثل بكار، أنت قد خرفت وقيده وحبسه، وأخذ منه جميع عطائه من سنين.
ما كان لرجل عرفنا في سماته أنه لم يكن ليحكم في قضية إلا بعد أن يتحرى ويتيقن وتجتمع عنده جميع الدلائل التي تمكنه من الحكم العادل أن يرضى بكلام مرسل حتى ولو كان قائله هو أمير مصر، لقد قلنا من قبل إن أمر التثبت والتيقن قبل إصدار أي حكم قد صار نهج حياة عند القاضي بكار، وها هو ذا لا يتركه حتى وهو على يقين من أن تمسكه بما اعتاد عليه لكونه قاضيًا حريصا على العدل سيسبب له من المحن ما هو في غنى عنه.. لقد قرر القاضي العادل أن ينصاع لضميره الذي يأبى إلا أن يسير وفقًا لما تعلمه من قواعد الشرع وأصول الدين الحنيف وأن يتحمل مسؤولية رفضه رغم علمه بأن ما سيدفعه من ثمن سيكون باهظًا.
مشاهد في المحنة: لم يكتف ابن طولون بخلع القاضي بكار بل عمد إلى إهانته وإذلاله وتعذيبه، ومما يروى أنه: لما ألحّ ابن طولون على بكار في لعن الموفق، وامتنع من إجابته خوطب في ذلك إلى أن قال بكار لأحمد بن طولون: ألاَ لعنة الله على الظالمين، فقال علي بن الحسين ابن طباطبا، وكان نقيب الطالبيين بمصر: أيها الأمير إنه عَنَاكَ، فغضب أحمد وأمر بتمزيق ثيابه، وجروه برجله، وليس عليه إلا سراويلُ وخُفان وقلنسوة، مَسلوب الثياب.
وكان برجل بكار علة لا يستطيع التربع، بل يمد رجله من تحت ثيابه فضربه رجل بعود حديد على رجله الممدودة فقال: أوَّه، وضمها. ثم حمل من بين يديه إلى السجن.
ومن التمعن أيضًا في إذلال القاضي والتعنت معه أن ابن طولون أمره أن يرد له مبلغًا من المال كان يعطيه له كل عام، وكانت المفاجأة حيث إن القاضي قد " حمله إليه بختمه، وكان ثمانية عشر كيساً، في كل كيس ألف دينار فاستحى ابن طولون عند ذلك من الملأ؛ " لأنه كان يعتقد أن القاضي قد أنفقه، ويعلق ابن تغري بردي على ذلك بقوله: قلت: هذا هو القاضي الذي في الجنة؟ - رحمه الله تعالى -
وفي هذا أيضًا صورة من الصور التي تعرض لنا زهد القاضي بكار، وتوفيق الله - تعالى -له، هذا التوفيق الذي استمر حتى أنه كان يخرج مع كل محاولة من ابن طولون لتشويه صورته وإهانته أكثر رفعة وأعز مكانة وعلى أشرف حال وأنصعها، بينما كان يخرج أعداءه المتربصون به من الذين استغلوا غضبة ابن طولون عليه في حالة من الإهانة والذلة جعلت منهم عبرة للمعتبرين، وحكاية ذلك أن أحمد ابن طولون لم يكتف بسجنه بل أمر أن يحضر كل من يدعي أن له مظلمة على القاضي بكار ليطالبه بها " فكان يحضر في مجلس المظالم بين يدي أحمد قائماً.
وكان الطحاوي يقول: ما تعرض له أحد فأفلح بعد ذلك، لقد تعرض له غلام يقال له عامر بن محمد بن نجيح، وكان في حجره، فرآه في مجلس المظالم، فقال بكار: يا عامر ما تصنع ها هنا؟ فقال: أتلفت علي مالي، فقال: إن كنت كاذبًا فلا نفعك الله بعقلك.
قال: فأخبرني من رآه ذاهل العقل، يسيل لعابه، يسب الناس ويرميهم بالحجارة، والناس يقولون: هذه دعوة بكار.
بل إن بعضهم سجن حين تبين كذبه وافتراءه على القاضي.
وقد كانت القسوة التي عامل بها ابن طولون القاضي بكار محل استنكار من المؤرخين، حتى إن ابن خلدون في تاريخه يعلل ذلك بأن المرض الذي نزل بابن طولون بعد نكبات تعرض لها كان سببًا في سوء أفعاله، فيقول بعد سرده لما حدث لابن طولون: وحميت كبده من سوء الفكر فساءت أفعاله وضرب بكار بن قتيبة القاضي وأقامه للناس في الميدان وخرق سواده وأوقع بابن هرثمة وأخذ ماله وحبسه وقتل سعيد بن نوفل مضروبا بالسياط *
مشاهد في سجن القاضي: الصبر والرضا بقضاء الله والحرص على تأدية طاعاته، هي الصفات التي نراها تبرز بقوة في سجن القاضي بكار، فهو لم يلن و ظل ثابتًا رغم قسوة المحنة على قاض كان عظيم الحرمة كبير الشّأن *ـ كما يصفه الإمام الذهبي ـ وقد بقي يتقرب إلى الله في سجنه ومما يروى له أن كان يغتسل في كل يوم جمعة، ويلبس ثيابه، ويجئ باب السجن، فيرده السجان ويقول: اعذرني أيها القاضي، فما أقدر على إخراجك، فيقول: الله أشهد، فبلغ ذلك أحمد، فأرسل إليه: كيف رأيت المغلوب المقهور لا أمر له ولا نهي، ولا تصرف في نفسه، لا تزال هكذا حتى يرد عليّ كتاب المعتمد بإطلاقك .
ويظهر تعلق طلاب العلم والحديث ببكار بصورة قوية بعد سجنه، حيث طلبوا من أحمد بن طولون أن يأذن لهم في السماع منه، فأذن لهم، فكان يحدثهم من طاق في السجن، فأكثر من سمع منه في آخر عمره، كان كذلك *
وقد ندم ابن طولون على ما فعله في هذا القاضي العادل والعالم الزاهد فحاول أن يثنيه عن رأيه برفق وتؤده فراسله قائلاً: إنا رادوك إلى منزلك، فأجبني، فقال: قل له: شيخ فإن وعليل مدنف، والملتقى قريب، والقاضي الله - عز وجل -.
فأبلغها الرسول أحمد، فأطرق، ثم أقبل يكرر ذلك على نفسه، ثم أمر بنقله من السجن إلى دار اكتريت له، وفيها كان يحدث *
وفاته: ولد القاضي بكار بالبصرة سنة اثنتين وثمانين ومائة، وتوفي وهو باق على القضاء مسجوناً يوم الخميس لست خلون من ذي الحجة سنة سبعين ومائتين بمصر *
ويصفون جنازته فيقولون: شيعه خلق عظيم أكثر ممن يشهد صلاة العيد، وأمهم عليه ابن أخيه محمد بن الحسن بن قتيبة الثقفي - رحمه الله تعالى -(
قال ابن زولاق عاش بعد ابن طولون أربعين يوماً ومات في تلك الدار، فحضرت جنازته فما رأيت كبير أحد، فقلت ليحيى بن عثمان بن صالح: يموت مثل هذا الرجل وتكون هكذا جنازته! فما صليت العصر حتى ما فقدت أحدًا، ولم أر فيها أحدًا راكبًا - رحمه الله - رحمة واسعة
بن طولون والخلافة العباسية أن حاول بن طولون استمالته إلى جانبه لإضفاء الشرعية على مطامحه السياسية مما يعني تسييس السلطة القضائية - وهي عملية معروفة في كل النظم الديكتاتورية - عن طريقة إصدار فتوى بخلع الموفق، بيد أن القاضي بكار امتنع عن ذلك فانقلب عليه بن طولون، وطالبه برد المبلغ الذي كان يرسله له سنوياً، فأرسل له المبالغ التي كان يرسلها بأختامها كاملة، وقد سجنه بن طولون. عندما مرض بن طولون حاول العفو عنه واسترضائه، ورد عليه القاضي بكار "شيخ فان وعليل مدنف والملتقي قريب والقاضي الله عز وجل". وقد توفي بن طولون بعدها بأيام قلائل ولحق به القاضي بكار بعد أربعين يوماً
صفحة من حياة الإمام الحافظ الحجة القاضي بكار بن قتيبة المصري الحنفي
________________________________________
صفحة من حياة الإمام الحافظ الحجة القاضي بكار بن قتيبة المصري الحنفي
هذه صفحة مشرقة من حياة ذالك الإمام الجليل الحافظ الحجة الفقيه النبيل بكار بن قتيبة البكراوي المصري الحنفي رحمه الله. بينما كنت أقرأ وفيات الأعيان لابن خلكان، وقعت على هذه القصة العجيبة، فأردت أن أقدمها أمام إخواني في الله. وهي كما تلي:
يقول ابن خلّكان في وفيات الأعيان: كان أحمد بن طولون يدفع إلى القاضى بكّار فى العام ألف دينار سوى المقرّر له فيتركه بكّار بختمها ولا يتصرّف فيها فلمّا دعاه ابن طولون لخلع الموفّق من ولاية العهد امتنع . فاعتقله وطالبه بحمل الذهب فحمله إليه بختومه . وكان ثمانية عشر كيسا وفى كل كيس ألف دينار فاستحى ابن طولون عند ذالك من الملآ. وقال أبو المحاسن : قلت هذا هو القاضى الذى فى الجنّة رحمه الله ولم يعيّن قاض بدله إلى وفاته اكتفاء بنيابة محمّد بن شاذان الجوهرى عنه مدّة اعتقاله .
ويقول الإمام الكوثري في الحاوي: وترجمة بكّار فى غاية العظمة، قال الطحاوى فى تاريخه الكبير : ما تعرض أحد لبكّار فأفلح كما فى طبقات القرشى.
ويقول الذهبي في السير: قلت : كان عظيم الحرمة ، وافر الجلالة ، من العلماء العاملين ، كان السلطان ينزل إليه ، ويحضر مجلسه.
وقد ذكر هذه القصة شيخنا العلامة قاضي القضاة المحدث الفقيه محمد تقي العثماني في مواعظه الأردية التي طبعت بديوبند في عشرين مجلدا، وعلق على هذه القصة فوائد عجيبة
أما الدكتورة سعاد ماهر فتقول :
===============
تقول الدكتورة سعاد ماهر فى الجزء الأول ص 152 فى مساجد مصر زأولياؤها الصالحون : هو القاضى بكار بن قتيبة بن أسد بن عبد الله بن بشر بن أبى بكره بن الحارث بن مخلدة مولى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أهل البصرة * أرسله الخليفة العباسى المتوكل على الله ليتولى القضاء فى مصر سننة 246 هـ ويحدثنا القضاعى فى ترتيب الززيارة ص 46 يقول : عن السبب فى اختيار المتوكل له * أن الخليفة المتوكل إستشار قوما فيمن يكون قاضيا على مصر فأجتمعوا على أن يولوا بكار بن قتيبة وكان قد بلغ المتوكل ما هو عليه من الزهد والورع والعفة والصلاح فأرسل اليه نجابا وكان مقيما بأرض البصرة فلما وصل رسول الخليفة البصرة سأل عن مكانه فأرسده اليه فلما جاء الى منزله وسأل عنه قيل له أنه مضى الى الفرن مجلس قليلا وإذا ببكار قد أقبل وعلى رأسه طبق الخبز فلما رآه النجاب ملتحقا برداء قصير أستحقره فلما دنا منه سلم علييه وقال له أنا رسول الخليفة جئتك بتولية القضاة عل مصر وهذا كتاب الخليفة فرد عليه بكار قائلا : يا أخر لا أقدر على الوقوف فسأله الرسول عن السبب فرد عليه قائلا : لأن الرداء الذى على لوالدتى ، وقد أستأذنتها أن أمصى به الى الفرن وأعود ولم أستأذنها فى الوقوف معك صم تركه ودخل الى المنزل وعاد فدفع اليه رغيفين وقال له أمض فى حفظ الله تعالى ، فتعجب الرجل من ذلك ولم يمكنه رد الرغيفين ورجع بعد أن قلده القضاء ، فلما عاد الى الخليفة اخبره بكل ما رأى وكل ما حدث وكيف أعطاه الرغيفين فقال الخليفة وما الذى صنعت بهما قال فرطت فى أحداهما وجئت بالآخر ، فقال الخليفة أئتنى به فلما جاء به إليه أعطاه مائة دينار وقال لو دئت بالآخر لأعطيتك مائة أخرى ثم أخذ الخليفة الرغيف وصنفه أكحالا وأودية وادخره ، ويستطرد القضاعى فى ذكر باقى القصة فيقول فلم يكن إلا مدة يسيرة وأراد الخليفة أن يرسل النجاب فى رسالة فقيل أنه ارمد وقد أشرف على العمى فاستحضره فلما حضر بين يدية أخرج له كحى وقال له باسم الله واجعل منه فى عينيك ففعل ذلك فشفى بإذن الله تعالى ومضى فى رسالة الخليفة فلما عاد قال يا أمير المؤمنين أريد أن أصنع ذلك الكحل فإنى وجدت فيه شفاء عظيما فقال الخليفة عرفت ما صنعت بالرغيف الذى جئت به من عند بكار قال وما الذى صنعت به يا أمير المؤمنين قال جعلناه أكحالا فى ادويتنا فنجد به ما وجدت من الشفاء والبركة فندم النجاب على ما فرط فيه من أمر الرغيف *
وتستطرد الدكتور سعاد ماهر تقول : كان القاضى بكار من الفقهاء المحدثين والقراء ويعد من أبناء الطبقة الرابعة فى رواية الحديث وكان يحكم بمذهب أبى حنيفة رضى الله عنه وكان إذا فرغ من الحكم خلا بنفسه وعرض عليها جميع ما حكم به ويبكى ويقول يا بكار قدم اليك رجلان فى كذا وكذا وحكمت بكاذا وكذا فما حوابك غدا إذا وقفت بين يدى الله تعالى ويقول بن زولاق حدثنى بعض شيوخ مصر قال : مررت على منزل القاضى بكار فى الليل فوجدته يصلى ثم فرغ من صلاته فبكى وقرأ ( كلا أنها لظى نزاعة للشوى ) وكان القاضى بكار رحمه الله حريصا ألا تشوب أحكامه شائبة حتى أنه كان يصل به المر فى بعض الأحيان إلى حد التزمت فى قبول شهادة الشهود *
ويحكى ابن أخيه إذ قال قدم على عمى رجل من أهل البصرة فأكرمه وأثنى عليه وقال ، هذا كان معى فى المكتب ومضى الرجل الى حال سبيله وجاء بعد أيام فى شهادة عند القاضى بكار ومعه شاهد أخر من أهل مصر فقيل شهادة الرجل الذى كان معه ، ولم يقبل شهادة الآخر فقلت له يا عم هذا الرجل أثنيت عليه خيره فلم لم تقبله ؟ فقال يا ابن أخى ما رددت شهادته إلا لأمر فقال وما هو قال : كنا على المائدة ونحن صغار وفيها أرز وفيه عسل فأخذت بأصبعى من وسط الأرذ فجرى العسل حتى دخل وسط الأرز فقال أخرقتها لتغرق أهلها ؟ فقلت أتهزأ بكتاب الله فأمسكت عن كلامه مدة فما قدرت على قبول شهادت وأنا أذكر ذلك منه وكثيررا ما كان يقف القاضى بكار مع المتقاضين موقف الواعظ المرشد فمن ذلك ما حكاه الإمام أبو جعفر الطحاوى ، إذ قال سمعت الكوفى يقول حضرت يوما عند بكار بن قتيبة فدخل إليه رجلان يختصمان أحدهما أبو الآخر فنظر إليهما وأنشد
تعاظيمتا ثوب العقوق كلاكما *** أب غير بر وأبنه غير واصل
توفى القاضى بكار سنة 270هـ ودفن فى الحومة التى دفن فيه جده بشر ابن أبى بكرة بن الحارث ابن مخلدة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤكد الرواية الكندى إذ يقول مات بشر بن أبى بكرة بمصر وقبره عند قبر ولده بكار وفى هذا يقول أبو جعفر الطحاوى سمعت أبا العلى الكوفى يقول كان القاضى بكار يقول لى إنطلق معى حتى أزور قبر جدى فيأتى إلى مكان قبره فيزوره ويقول هذا من التابعين .



أما المقريزى فى المواعظ والأعتبار :
فى كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية تأليف تقى الدين أبى العباس أحمد بن على المقريزى المتوفى 845هـ جزء 4 ص 460 قال:أعلم أن زيارة القرافة كانت أولا يوم الأربعاء ثم صارت ليلة الجمعة وأما زيارة يوم السبت فقيل انها قديمة وقيل متأخرة وأول من زار يوم الاربعاء وأبتدأ بالزيارة من مشهد السيدة نفيسة الشيخ الصالح أبو محمد عبد الله بن رافع بن يزحم بن رافع السارعى الشافعى المغافرى الزوار المعروف بعابد ومولده سن أحدى وستين وخمسمائة ووفاته بالهلالية خارج باب زويلة ( والهلالية الآن شارع يقع بمنطقة اليكنية بالمغربلين ) فى ليلة الثانى والعشرين من شعبان سنة ثمان وثلاثين وستمائة ودفن بسفح المقطم على تربة بنى نهار بحرى تربة الردينى وأول من زار ليلة الجمعة الشيخ الصالح المقرى ابو الحسن على بن أحمد بن جوشن المعروف بابن الجباس والد شرف الدين محمد بن على بن احمد بن الجباس فجمع الناس وزاربهم فى ليلة الجمعة فى كل اسبوع وزار معه فى بعض الليالى السلطان الكامل ناصر الدين ابو المعالى محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب ومشى معه أكابر العلماء وكان سبب تجرد أبى الحسن بن الجباس وانقطاعه الى الله تعالى انه دولب مطبخ سكر شركة رجل فوقف عليهما مال للديوان فسجنا بالقصر فقرأ ابن الجباس فى بعض الليالى سورة الرعد فسمعه السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب فقام حتى وقف عليه وسأله عن خبره فأعلمه بأنه سجن على مبلغ كذا فأمر بالافراج عنه فأبى الا أن يفرج عن رفيقه أيضا فافرج عنهما جميعا واتفق انه مر فى بعض ليالى الزيارة بزاوية الفخر الفارسى فخرج وقال له ما هذه البدعة فى غد أبطلها ثم دخل الزاوية وخرج بعد ساعة وأمر برد ابن الجباس فلما جاء قال دم على ما انت عليه فانى رأيت الساعة قوما فقالوا هل تعطينا ما يعطينا الجباس فى ليالى الجمع فعملت أن ذلك هو الدعاء والقراءة * وأما زيارة يوم السبت فقد تقدم انه اختلف فيها وحكى الموفق بن عثمان عن القضاعى انه كان يحث على زيارة سبعة قبور وان رجلا شكا اليه ضيق حاله والدين فقال له عليك بزيارة سبعة قبور: القاضى بكار بن قتيبة وتوفى سنة سبعين ومائتي
يقول السخاوى فى تحفة الاحباب وبعية الطلاب :
فى تحفة الاحباب وبغية الطلاب فى الخطط والمزارات والتراجم والبقاع المباركات للعلامة الكبير والمؤرخ الشهير أبى الحسن نور الدين على بن محمد بن عمر بن خلف بن محمود السخاوى الحنفى يقول :
حكى القضاعى رحمه الله تعالى أنه كان يحث على زيارة سبعة قبور بالجبانة * وجاء رجل يشتكى إليه أمرأ نزل به فقال عليك بزيارة سبعة قبور فى هذه الجبانة واسأل الله تعالى أن يقضى حاجتك وذكر له ذلك ( فبدأ ) بعبد الصمد صاحب الحنفاء وذكر بعده أبا الحسن الدينورى وإسمعيل المزنى صاحب الشافعى وذا النون المصرى وأبا بكر القمنى والمفضل بن فضالة والقاضى بكار رحمة الله تعالى عليهم أجميعن فهذه زيارة القضاعى التى زارها وأمر بها وله فى هذا فضل عظيم * لأن من بركة زيارتهم أن الإنسان إذا زارهم زار القرافة بكمالها *
وترتيب زيارتهم فى هذا الزمان أنهم يبدءون فى أول زيارتهم بأبى الحسن الدينورى وبعده عبد الصمد البغدادى وبعده إسماعيل المزنى وبعده القاضى بكار وبعده المفضل بن فضالة وبعده أبو بكر القمنى ثم ذو النون المصرى هذا ترتيبهم فى هذا الزمان وفيه تقديم وتأخير على زيادة القضاعى ولم يضرهذا *
ومن خصائص زيارتهم أن من زارهم سبعة سبوت على نية الحج أو قضاء الدين أو حاجة قضى الله تعالى حاجته وقد جرب الناس ذلك فوجدوه كذلك فينبغى لمن عزم على زيارة هؤلاء وغيرهم من العلماء والصالحين أن يخلص نيته لعل الله تبارك وتعالى أن يقضى حاجته وينقل دعاءه بفضل الله وإحسانه ونسأله أن يميتنا على الإسلام وأن يحشرنا فى زمرة الأنبياء والعلماء والأولياء والصالحين وأن يغفر لنا ذنوبنا وأن يستر عيوبنا وأن لا يؤاخذنا بالتقصير وجميع المسلمين وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

يقول حسن قاسم :
فى كتاب أعلام السائلين الصادر عام 1350هـ إن مشهد القاضى بكار وهو تحت الكوم غربى مشهد الإمام الليث وزيارته يوم الجمعة *
وفى مرشد الزوار لقبور الأبرار للعالم موفق الدين بن عثمان المتوفى عام 615هـ بقول :
القاضى الإمام ، الولى الهمام بكار بن قتيبة بن اسد بن أبى برزعة بن عبيد الله بن بشير بن عبيد الله بن أبى بكرة نفيع بن الحارث ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن كلدة بن عمرو ابن علاج بن أبى سلمة وهو عبد العزى بن غيرة ، بكسر الغين المعجمة وفتح الياء ، ابن عوف بن قسى بن هبنة الثقفى .. وقيل نفيع بن مسروح وكان عبد الحارث بن كلدة ، فاستخلفه ، وامه سمية ن جارية الحارث بن كلدة وهى أم زياد بن أبيه .. وإنما كنى أبا بكر لأنه تدلى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببكرة من حصن الطائف ، وكان قد أسلم وعجز عن الخرج كثنى بذلك ، واعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم *
وهو قاضى الديار المصرية ، ولاه المتوكل القضاء بمصر سنة 246هـ وله أخبار فى العدل والعفة والنزاهة والورع ، وكانت وفاته فى سنة 270هـ
روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث واثنين وثلاثين حديثا ، أتفق على ثمانية أحاديث ، وانفرد البخارى بخمسة ، ومسلم بحديث واحد .. روى عنه ابناه عبد الرحمن ، ومسلم وربعى بن حراش والحسن البصرى ، والأحنف بن قيس ، وكان من الفضلاء الصالحين ، كثير العبادة ، وكان ممن اعتزل يوم الجمل ولم يقاتل مع واحد من الفرقتين ، ومات رضى الله عنه – بالبصرة فى سنة إحدى وخمسين من الهجرة ، وقال خليفة بن خياط : مات فى سنة اثنتين وخمسين ، وصلى عليه أبو برزة الأسلمى .. وكان اولاده أشرافا فى البصرة بكثرة المال والعلم والولايات ..قال الحسن لم يكن بالبصرة من الصحابة أفضل من عمران بن الحصين وأبى بكرة .. روى له جماعة والحارث مو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وولد بكار هذا بالبصرة سنة 182هـ وتفقه على ابن يحيى بن مسلم ، المعروف بهلال الراززى ، أصحاب أبى يوسف ، وزفر بن الهذيل وأخذ عنه علم الشروط أيضا .. وحدث بمصر عن أبى داود الطيالسى ، ويزيد بن هارون وعبد الصمد بن عبد الوارث وصفون ابن عيسى الزهرى ، وابى عامر بن إسماعيل ، وغبراهيم بن الوزير ، وسعيد بن عامر ، وابى أحمد الزبيرى ، وابى عاصم الضحاك ، وجماعة من طبقتهم .
وقدم مصر قاضيا عليها ، وكان ذلك من قبل المتوكل سنة ست وأربعين ومائتين ، قبل ولاية ابن طولون لثمان خلون من جمادى الآخرة ، وكان محدثا جليلا من أفاضل المحدثين .. ومن جملة ما ورى بغسناده غلى أبى هريرة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة . وفى رواية بسبع وعشرين .. قال أبو جعفر الطحاوى : سمعت أبا العلى الكوفى يقول : حضرت يوما عند بكار بن قتيبة ، فدخل عليه رجلان يتخاصمان ، أحدهما أبو الآخر ، فنظر غليها وانشد :
تعاطيتما ثوب العقوق كلاكما اب غير بر وابنه غير واصل


كانت ولايته القضاء يوم الجمعة ، فى جمادى الاخر سنة 246هـ وكان أحد الفقهاء على مذهب الإمام أبى حنيفة رحمة الله عليه ، أخذ الفقه عن خلاب بن يحيى بالبصرة ، وكان من البكائين والتالين لكتاب الله تعالى ، وكان إذا فرغ من الحكم خلا بنفسه وعرض عليها جميع ما حكم به ثم يبكى ويقول يا ( بكار ) تقدم إليك رجلان فى كذا وكذا ، وحكمت بكذا وكذا ، فما جوابك غدا إذا وقفت بين يدى الله سبحانه وتعالى ؟
وكان يكثر الوعظ للخصوم ، ويتلو عليهم قوله تعالى ( إن الذين يشترون بعد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم فى الآخرة ، ولا يكلمهم الله ولا ينظر غليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) وكان يفعل هذا مع كل حالف ، فمنهم من يخاف ويرجع عن اليمين ، ومنهم من يحلف .
وحكى أيضا عنه أنه كان إذا أراد أن يحلف شخصا أمره أن يقرأ : ( والطور * وكتاب مسطور * فى رق منشور ) إلى قوله تعالى : إن عذاب ربك لواقع * ماله من دافع ) ثم يقول له احلف بعد ذلك وحكى عنه أن رجلا قال له ذلك ، فقرأ وحلف ، وكان كاذبا فى يمينه ، فبرزت عيناه من وجهه ، فامتنع – بعد ذلك – الفاجر أن يحلف ، وكان يحاسب أمناءه فى كل وقت ، ويسأل عن الشهود . وكان أحمد بن طولون يجيزه فى كل سنة بألف دينار ( زيادة على القدر المقرر له ) فلما جرى بينه وبينه ما جرى ، قال له ابن طولون : أين جوائزى ؟ يجاء بها .. فأرسل إليه ابن طولون ، فوجد فى منزله ستة عشر كيسا ما مسها ( بكار ) فحملها إليه ، فلما نظر أحمد خجل واستحى وظن أن فرط فيها ، وأنه يعجز عن القيام بها ، فلهذا طالبه .
ولما اعتقله أمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شاذان الجوهرى ، ففعل ، وجعله كالخليفة له والنائب عنه ، وقال الحسن الليثى : حدثنى بعض شيوخ مصر قال : مررت فى أول الليل و( بكار ) فى غرفته يبكى ويصلى ويقول :
( كلا إنها لظى * نزاعة للشوى * تدعو من أدبر وتولى ) يرددها ما تداوزها
وقال بعض أصحاب التواريخ فى ترجمة القاضى ( بكار ) إنه رأى النبى صلى الله عليه وسلم وبين يديه طبق فيه تمر ، فقال له : أطعمنى يا رسول الله ، فناوله ثنتين ، ثم استزاده ، فأعطاه ثنتين ، فاستزاده ، فأعطاه واحدة ، فاستيقظ من نومه وهو يجد حلاوة التمر فى فمه ، ووجد النوى فى يده ، ثم إنه أتى إلى السيدة زكية ابنة الخير بن نعيم الحضرمى فإذا هى جالسة وبين يديها طبق فيه تمر على صورة الطبق الذى رآه بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم فقال لها : أطعمينى ، فناولته ثنتين ، ثم استزادها ، فأعطته ثنتين ، فاستزادها ، فأعطته واحدة ، فطلب منها الزيادة ، فقالت له : لو زادك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا زدناك يقظة ولو زادك ليلا زدناك نهارا

بكَّار بن قتيبة

ابن أسد بن عبيد الله بن بشير بن صاحب رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أبي بكرة نفيع بن الحارث , الثقفي البكراوي البصري , القاضي الكبير , العلامة المحدث، أبو بكرة , الفقيه الحنفي , قاضي القضاة بمصر .

مولده في سنة اثنتين وثمانين ومائة بالبصرة .

وسمع أبا داود الطيالسي , وروح بن عبادة , وعبد الله بن بكر السهمي , وأبا عاصم , ووهب بن جرير , وسعيد بن عامر الضبعي , وطبقتهم .

وعني بالحديث , وكتب الكثير , وبرع في الفروع , وصنف واشتغل .

حدث عنه : أبو عوانة في "صحيحه" , وابن خزيمة , وعبد الله بن عتَّاب الزِّفْتِيّ , ويحيى بن صاعد , وابن جوصا , وأبو جعفر الطحاوي , وابن زياد النيسابوري , وابن أبي حاتم , ومحمد بن المسيب الأرغياني , وأبو علي بن حبيب الحصائري , وأبو الطاهر أحمد بن محمد بن عمرو الخامي , وأحمد بن سليمان بن حذلم , ومحمد بن محمد بن أبي حذيفة الدمشقي , وأبو العباس الأصم , والحسن بن محمد بن النعمان الصيداوي , وأبو بكر محمد بن حمدون بن خالد النيسابوري , وأحمد بن عبد الله الناقد , وخلق كثير من أهل مصر ودمشق , ومن الرحالة , وكان من قضاة العدل .

قال أبو بكر بن المقرئ : حدثنا محمد بن بكر الشعراني بالقدس , حدثنا أحمد بن سهل الهروي قال : كنت ساكنا في جوار بكار بن قتيبة , فانصرفت بعد العشاء , فإذا هو يقرأ: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال : ثم نزلت في السَّحر , فإذا هو يقرؤها , ويبكي , فعلمت أنه كان يتلوها من أول الليل .

قال محمد بن يوسف الكندي : قدم بكار قاضيا إلى أن توفي , فأقامت مصر بلا قاض بعده سبع سنين , ثم ولَّى خُمارويهُ محمدَ بن عبدة القضاء . قال : وكان أحمد بن طولون أراد بكارا على لعن الموفق , -يعني: ولي العهد- فامتنع , فسجنه , إلى أن مات أحمد بن طولون , فأُطلق القاضي بكار , وبقي يسيرًا ومات , فغُسِّل ليلا , وكثر الناس , فلم يدفن إلى العصر .

قلت : كان عظيم الحرمة , وافر الجلالة , من العلماء العاملين , كان السلطان ينزل إليه , ويحضر مجلسه , فذكر أبو جعفر الطحاوي أن بكار بن قتيبة استعظم فسخ حكم الحارث بن مسكين في قضية ابن السائح , -يعني لما حكم عليه- فأخرج من يده دار الفيل , وتوجه ابن السائح إلى العراق بغَوْثٍ على ابن مسكين . قال الطحاوي : وكان الحارث إنما حكم فيها بمذهب أهل المدينة , فلم يزل يونس بن عبد الأعلى يكلم القاضي بكارا , ويُجَسِّدُهُ حتى جَسَدَ , وردّ إلى ابني السائح الدار . ولا أحصي كم كان أحمد بن طولون يجيء إلى مجلس بكار وهو يملي , ومجلسه مملوء بالناس , فيتقدم الحاجب , ويقول : لا يتغير أحد من مكانه , فما يشعر بكار إلا وأحمد إلى جانبه , فيقول له : أيها الأمير , ألا تركتني كنت أقضي حقك وأقوم ؟ قال : ثم فسد الحال بينهما حتى حبسه , وفعل به ما فعل .

وقيل : إن بكارا صنف كتابا ينقض فيه على الشافعي رده على أبي حنيفة , وكان يأنس بيونس بن عبد الأعلى , ويسأله عن أهل مصر وعدولهم . ولما اعتقله ابن طولون لم يمكنه أن يعزله؛ لأن القضاء لم يكن إليه أمره .

وقيل : إن بكارا كان يشاور في حكم يونس , والرجل الصالح موسى ولد عبد الرحمن بن القاسم , فبلغنا أن موسى سأله: من أين المعيشة ؟ قال : من وَقْفٍ لأبي أتَكَفَّى به . قال : أريد أن أسألك يا أبا بَكْرة , هل رَكِبَكَ دَيْنٌ بالبصرة ؟ قال : لا . قال : فهل لك ولد أو زوجة ؟ قال : ما نكحت قط , وما عندي سوى غلامي . قال : فأَكْرَهَكَ السلطان على القضاء؟ قال: لا . قال: فضربتَ آباط الإبل بغير حاجةٍ إلا لِتَلِيَ الدماءَ والفُرُوجَ ؟ لله عليّ لا عُدْتُ إليك , قال : أقِلْنِي يا أبا هارون . قال: أنت ابتدأت بمسألتي , انصرفَ , ولم يعُد إليه .

قلت : رضي الله عن موسى , فلقد صدقه , وصدعه بالحق . ولم يكن بكار مكابرًا , فيقول: تعيَّن علي القضاء .

وقال الحسن بن زولاق في ترجمة بكار : لما اعتل أحمد بن طولون , راسل بكارا , وقال : إنا رادوك إلى منزلك , فأجِبني , فقال : قل له : شيخ فان وعليل مدنف , والملتقى قريب , والقاضي الله عز وجل . فأبلغها الرسول أحمد , فأطرق , ثم أقبل يكرر ذلك على نفسه , ثم أمر بنقله من السجن إلى دار اكْتُرِيَتْ له , وفيها كان يحدِّث , فلما مات الملك قيل لأبي بَكرة: انصرف إلى منزلك , فقال : هذه الدار بأُجْرة , وقد صلحت لي , فأقام بها .

قال الطحاوي : فأقام بها بعد أحمد أربعين يوما ومات .

قلت : كان ولي العهد الموفق قد استبد بالأمور , وضيق على أخيه الخليفة المعتمد .

قال الصولي : تخيَّل المعتمد من أخيه , فكاتب أحمد بن طولون , واتفقا , وقال المعتمد : أليسَ مــن العجائب أنَّ مِثلــي

يـرى مـا قَـلَّ مُمْتَنِعـًا عليــهِ وتـُؤْكَلُ باسْمـِه الـدُّنيا جميعًــا

ومـا مِـن ذاك شـيءٌ في يَدَيْهِ؟!

فبلغنا أن ابن طولون جمع العلماء والأعيان , وقال : قد نكث الموفق أبو أحمد بأمير المؤمنين , فاخْلَعُوه من العهد فخلعوه , إلا بكار بن قتيبة . وقال : أنت أوردت عليَّ كتاب المعتمد بتوليته العهد , فهات كتابا آخر منه بخلعه . قال : إنه محجورعليه ومقهور؟ قال : لا أدري . فقال له : غرَّك الناس بقولهم : ما في الدنيا مثل بكار , أنت قد خَرِفْتَ وقيده وحبسه , وأخذ منه جميع عطائه من سنين , فكان عشرة آلاف دينار , فقيل : إنها وجدت بختومها وحالها . وبلغ ذلك الموفق , فأمر بلعن ابن طولون على المنابر . ونقل القاضي ابن خلكان أن ابن طولون كان ينفذ إلى بكار في العام ألف دينار , سوى المقرر له , فيتركها بختمها , فلما دعاه إلى خلع الموفق , طالبه بجملة المال , فحمله إليه بخُتُومه ثمانية عشر كيسا , فاستحيا ابن طولون عند ذلك , ثم أمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شاذان الجوهري , ففعل , واستخلفه , وكان يحدث من طاقة السجن؛ لأن أصحاب الحديث طلبوا ذلك من أحمد , فأذن لهم على هذه الصورة .

قال ابن خلكان : وكان بكار تاليا للقرآن , بَكَّاءً صالحا دَيِّنًا , وقبرُه مشهور قد عُرف باستجابة الدعاء عنده .

قال الطحاوي : كان على نهاية في الحمد على ولايته , وكان ابن طولون على نهاية في تعظيمه وإجلاله إلى أن أراد منه خلع الموفق , قال : فلما رأى أنه لا يلتَئِمُ له ما يحاوله أَلَّبَ عليه سفهاء الناس , وجعله لهم خصما , فكان يقعد له من يقيمه , مقام الخصوم , فلا يأبى , ويقوم بالحجة لنفسه , ثم حبسه في دار , فكان كل جمعة يلبس ثيابه وقت الصلاة , ويمشي إلى الباب , فيقولون له المُوَكَّلُون به: ارْجِع , فيقول: اللهم اشهد .

قال أبو عمر الكندي : قدم بكار قاضيا من قبل المتوكل في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين ومائتين , فلم يزل قاضيا إلى أن توفي في ذي الحجة سنة سبعبن ومائتين . وقيل : شيَّعه خلق عظيم أكثر ممن يشهد صلاة العيد , وأمَّهم عليه ابن أخيه محمد بن الحسن بن قتيبة الثقفي . رحمه الله تعالى .

قلت : عاش تسعا وثمانين سنة .

وفيها مات أحمد بن طولون صاحب مصر , وإبراهيم بن مرزوق , وأسيد بن عاصم , والحسن بن على بن عفان , والربيع المرادي , وزكريا بن يحيى المروزي , وعباس بن الوليد بن مزيد , ومحمد بن مسلم بن وارة , ومحمد بن هشام بن ملاس , ومحمد بن ماهان رفيقه , وأحمد بن المقدام الهروي , وأحمد بن عبد الله البرقي , وداود الظاهري , وأبو بكر الصَّاغَانِيّ , وأبو البختري ابن شاكر .

أخبرنا عمر بن عبد المنعم , أخبرنا عبد الصمد بن محمد حضورا في سنة تسع وست مائة , أخبرنا علي بن المسلم , أخبرنا ابن طلاب , أخبرنا ابن جميع , حدثنا الحسن بن محمد بن النعمان بصور , حدثنا بكار بن قتيبة , حدثنا أبو مطرف بن أبي الوزير , حدثنا موسى بن عبد الملك بن عمير , عن أبيه , عن شيبة الحجبي , عن عمه -يعني: عثمان بن طلحة- قال : قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: ثلاثٌ يُصْفِينَ لك وُدَّ أَخِيك: تُسَلِّمُ عليه إذا لقِيتَهُ , وتُوَسِّعُ له في المَجْلِسِ , وتَدْعُوهُ بأحبِّ أسْمَائِهِ إِلَيْهِ .

أخبرنا علي بن أحمد الحسيني بالإسكندرية , أخبرنا محمد بن أحمد ببغداد , أخبرنا محمد بن عبيد الله , أخبرنا أبو نصر الزينبي , أخبرنا أبو طاهر المخلص , حدثنا يحيى بن محمد , حدثنا بكار بن قتيبة , حدثنا أبو داود الطيالسي , حدثنا سليم بن حيّان , حدثنا سعيد بن ميناء , حدثنا ابن الزبير , أخبرتني عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لها : لولا أنّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عهد بالجاهلية , لَهَدَمْتُ الكَعْبَةَ , وألْزَقْتُهَا بالأرضِ , ولجعلتُ لها بَابَيْنِ : بابًا شرقيًّا , وبابًا غربيًّا , ولزدتُ سِتَّة أذْرُعٍ من الحَجرِ في البيتِ , فإنَّ قريشًا استقصرتْ لمَّا بَنَتْ البَيْتَ .
وفى وفيات الأعيان لأبن خلكان
القاضي أبو بكرة بكار بن قتيبة بن أبي برذعة بن عبيد الله بن بشر بن عبيد الله بن أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كان حنفي المذهب، وتولى القضاء بمصر سنة ثمان - أوتسع - وأربعين ومائتين، وقيل: قدمها متوليا قضاءها من قبل المتوكل يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ست وأربعين ومائتين، وظهر من حسن سيرته وجميل طريقته ما هو مشهور، وله مع أحمد بن طولون صاحب مصر وقائع مذكورة، وكان يدفع له كل سنة ألف دينار خارجا عن المقرر له، فيتركها بختمها ولايتصرف فيها، فلما دعاه إلى خلع الموفق بن المتوكل - وهو والد المعتضد - من ولاية العهد امتع القاضي بكار من ذلك، والقضية مشهورة، فاعتقله أحمد، ثم طالبه بجملة المبلغ الذي كان يأخذه كل سنة، فحمله إليه بختمه، وكان ثمانية عشر كيساً، فاستحيا أحمد منه، وكان يظن أنه أخرجها وأنه يعجز عن القيام بها فلهذا طالبه، ولما اعتقله أمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شاذان الجوهري، ففعل، وجعله كالخليفة له، وبقي مسجوناً مدة سنين، ووقفه للناس مراراً كثيرة، وكان يحدث في السجن من طاق فيه لأن أصحاب الحديث شكوا إلى ابن طولون انقطاع إسماع الحديث من بكار وسألوه أن يأذن له في الحديث ففعل، وكان يحدث على ما ذكرناه. وكان القاضي بكار أحد البكائين التالين الكتاب الله عزوجل، وكان إذا فرغ من الحكم خلا بنفسه وعرض عليها قصص جميع من تقدم إليه وما حكم به وبكى، وكان يخاطب نفسه ويقول: يا بكار، تقدم إليك رجلان في كذا، وتقدم إليك خصمان في كذا،
[/size]


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: القاضى بكان ابن قتيبة قاضى قضاة مصر
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة فبراير 14, 2014 4:17 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 3446

إلى السادة مسؤلى الموقع

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يرجى من سعادتكم تصحيح عنوان الموضوع


من القاضى بكان إلى القاضى بكار ابن قتيبة قاضى قضاة مصر رضى الله تعالى عنه


شكرين لسعادتكم سعة صدركم الكريم



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: القاضى بكار بن قتيبة قاضى قضاة مصر
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة فبراير 14, 2014 4:22 pm 
غير متصل

اشترك في: الأربعاء فبراير 03, 2010 12:20 am
مشاركات: 5013
جزاكم الله خيرا
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

_________________
صلوات الله تعالى تترى دوما تتوالى ترضي طه والآلا مع صحب رسول الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: القاضى بكار بن قتيبة قاضى قضاة مصر
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة فبراير 14, 2014 4:32 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 3446
اتقدم لك سيدى على هذا التصحيح ولك شكرى واحترامى


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 4 مشاركة ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 4 زائر/زوار


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط