موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 34 مشاركة ]  الانتقال إلى صفحة السابق  1, 2, 3
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: Re: تاريخ القرآن ولغته ... انتظرونا في رمضان إن شاء الله.
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأحد يونيو 02, 2019 3:03 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد إبريل 15, 2012 12:39 pm
مشاركات: 3053

تأثير القرآن فى الفكر العربى والحفاظ على الهوية:

دعا القرآن الكريم الناس جميعاً إلى التدبر، والتفكر، والسير فى الأرض، والتأمل فى ملكوت الله، وإعمال العقل للاستفادة بما فى هذا الكون الفسيح مما خلقه الله للإنسان، وذلك من خلال مجموعة من المبادئ والقيم والأخلاق السامية التى لا تقف عند حد المصلحة البحته كما هى نظرة الماديين، وإنما هى دعوة تمتد عبر الزمان والمكان لتشمل الدنيا والآخرة؛ بل تقدم الآخرة على الأولى، كما قال سبحانه فى سورة القصص (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)).

وكذلك كان القرآن الكريم سبباً مباشراً فى قيام حركة علمية واسعة، بدت متعددة النوافذ، كثيرة الأبعاد، ويكفى أن نتذكر سوياً فى ذلك أنه ارتبط ارتباطاً وثيقاً بقضايا مهمة، مثل: ضبط العربية، وتعليمها، ونقط الحروف، وتبسيطها، واتساع حركة الجمع اللغوى، ونشأة النحو، والقراءات، وعلم الأصول، والفقه، والتفسير، والبلاغة، وغيرها.

وما بين دفتى المصحف الشريف؛ انطلقت حركة فنية كبرى، تتمثل فى مسيرة الخط العربى, وزخارفه ، فكان للمدينة المنورة رسم خاص فى كتابة المصحف، وللكوفة رسمها الذى لا يزال يعرف إلى الآن بالخط الكوفى، وللمغرب وبلاد الأندلس نوع آخر من الخط يختلف عن سابقيه، وهكذا استقر الخط العربى على النحو الذى نراه الآن، يتنوع تنوعاً كبيراً ويشكل مظهراً من مظاهر الحضارة العربية والإسلامية عبر القرون.

وقد كانت الأعمال الفنية الرائعة التى اعتمدت على الوحدات الزخرفية المستوحاة من ذلك الخط سبباً باعثاً على توجيه الأنظار إلى القيم الفنية لإبداع لوحات غاية فى الفن والجمال يتوقف أمامها الخطاطون العرب ويبدعون، ويتأملها الفنانون الأوربيون والآسيويون فينبهرون بمظهرها البديع، وقيمتها التشكيلية العالية .

وفى جانب السماع والرواية؛ أدت الحركة العلمية الناشئة إلى قيام نشاط آخر يعتمد على الانتقال من مكان إلى آخر؛ طلبا للعلم والقراءة، فنشأت الرحلة، واختلط الحضرى والبدوى، والبصرى والكوفى ، والمكى والمدنى، وتلاقحت العقول، ونشطت القرائح وعقدت المجالس فى المساجد، وأمَّها الناس من كل الأماكن والأجناس، واتسع نشاطها ليشمل –بجانب القراءات- الحديث، والتفسير، واللغة، والوعظ، والكلام، وغير ذلك.

ولم تكن شهرة تلك المجالس راجعة إلى نشاط واحد، ولكنها اتسعت لتشمل جوانب متعددة، وتسهم فى قيام حركة فكرية واسعة فى مجالات مختلفة، انتقلت من مكة والمدينة إلى البصرة، ثم إلى بغداد، ثم إلى مصر والمغرب والشام، ومن ثم إلى البلاد الأخرى من الشرق والغرب حتى اصطبغت الحياة كلها بالصبغة الإسلامية الخالصة.

وقد أنارت هذه الحركة للعقل العربى طرقاً، وفتحت أمامه مجالات، ودفعت به إلى ميدان فسيح، يطوف فى الدنيا ويبدع، ولذلك أصبح القرآن يشكل بعلومه المختلفة مدخلاً طبيعياً ومنطقياً لفهم الفكر العربى كله، ويعلن عن أبوة حقيقية لتراث العربية الضخم، تدفعنا إلى مزيد من التقدير له والإنصاف .

ومع هذا التأثير الواضح للقرآن الكريم؛ فقد كانت هناك بعض المفارقات التى تعبر عن قصور فى الواقع المتحرك، وتتمثل فى الممارسات العملية الخاطئة عند الكثيرين نتيجة الخلط الواضح بين المفاهيم والنظريات التى تقوم عليها، ومحاولة الجمع بين بعض القضايا المتناقضة التى لا يمكن لها أن تجتمع، ثم الدفاع عنها والسعى لإيجاد آلية عقلية تتبناها وترسم لها شكلاً اجتماعياً مقبولاً، يحفظ لها مكاناً فى ذهن المثقفين وممارساتهم، ويساعد على بقائها لأطول مدة ممكنة فيما بين الناس .

ولذلك نجد فى التاريخ الإسلامى ظواهر كثيرة، تشغل مساحات واسعة من الفكر القومى يتناولها المفكرون والمثقفون بأسلوب لا يخلو من المغالطات، ومنها على سبيل المثال محاولة إثبات علاقات مماثلة بين الإسلام وبعض المذاهب الغربية الفلسفية، ومنها فى العصر الحديث الربط بين الإسلام والاشتراكية، أو بين الشورى فى الإسلام والديمقراطية، أو بين العولمة والهوية، أو بين القرآن نفسه وغيره من النصوص النثرية، ونحو ذلك من الازدواجيات الانتقائية التى لا تقوى على الاستمرار أمام المكونات الثقافية والاجتماعية للشعوب، وما تفرضه الخصوصيات من أبعاد ومفارقات مهما تقاربت علاقات الاتصال فيما بينها.

وقبل الإشارة إلى دور القرآن الكريم عبر تاريخه الطويل في بيان القول الفصل فى مثل هذه المسائل ؛ يجب ألا نغفل أمرين مهمين، هما:

1- وحدة الأسس المعرفية والتاريخية للمفاهيم عند الأمم والشعوب.
2- وحدة أبعاد التلاقح الفكرى والتاريخى بين شعوب العالم فى طول الزمان وعرضه .

وإذا كانت العولمة مثلاً فى وقتنا الحاضر دعوى تسعى للهيمنة على العالم كما يبدو من تصرفات غُلاتِها، وتحاول أن تفرض نفسها على الناس، أو تفرض على حياتهم نمطاً معيناً من الحركة والظهور بحجة التقارب بين البشر؛ فإن الهوية هى التى ترسم الفوارق بين الكيانات الخاصة بأبعادها المختلفة وسماتها المتباينة، وهى التى تكشف عن الجوانب الخاصة التى تظهر عمق الوعى بالذات، وتحاول أن تحرك كوامن النفس البشرية للدفاع عن خصوصياتها، وتعميق سيادتها داخل حدودها المعترف بها ، وفق قانون التنوع والاختلاف الذى هو قانون الله فى خلقه.

وعلى الجانب الآخر؛ فإن الاحتباس داخل الهوية، والتقوقع حولها، والانغلاق عن حركة الأمم من حولنا .. كل هذه الأشياء تمثل مخاطر لا تقل فى وطأتها عن أخطار العولمة وقد تؤدى بشعب إلى العزلة، فيهوى إلى مكان سحيق، أو يتردى فى زوايا النسيان والإهمال .

وبالإضافة إلى ذلك؛ فإنه مسلك مجاف للفطرة التى فطر الله الناس عليها؛ لأن الناس جميعاً شركاء فى الإنسانية، وفى أبسط مبادئها التى دعت إليها الأديان، والتى دعا إليها الإعلان العالمى لحقوق الإنسان من الحرية والإخاء والعدل والمساواة، وهم من قبل ومن بعد شركاء فى تضاريس بنية أجسامهم وجغرافيتها، وفى الأصل الواحد الذى منه خرجوا إلى الحياة، فكلهم لآدم، وآدم من تراب.

وهنا نستطيع أن نكشف عن دور القرآن الكريم فى واحدة من أخطر القضايا للتغلب على حالات التمزق والانفصام التى قد تنشأ عن العولمة، ونحدد بعض أسس العلاقات التى تحافظ على الهوية الخاصة للأمم، وتقيها ضراوة هجمات الخصوم، وشراسة النيران التي تستعر الحين بعد الحين، عدوة كانت تلك النيران أو صديقة.

إن بعض نوافذ العولمة التى تجتاح العالم اليوم لا يمكن لأحد أن يغلقها، أو يفلت من تأثيرها، وعندئذ يجب الاندماج معها، والاستفادة منها، وفتح كثير من الأبواب والنوافذ لأهم معطياتها، والتحول إلى شريك لها بدلاً من معاداتها والتصادم معها، وعلى أهل القرآن والعربية بوجه خاص أن يقفوا جيداً على خريطتهم جغرافياً وبشرياً، وأن يحاولوا استغلال إمكاناتهم الكبيرة لتضييق الهوة التى بينهم وبين الدول المتقدمة إن تعذر الوقوف معها على قدم المساواة .

وبعيداً عن خلط المفاهيم؛ يبدو القرآن الكريم أكبر داعم للعالمية بندائه للناس جميعاً ليكونوا عباداً لإله واحد، ورب واحد, هو رب العالمين دون استثناء، ولنستمع إليه وهو يناديهم جميعاً: "يأيها الناس"، و "يا بنى آدم"، وفى الوقت نفسه ينادى فئات بعينها: "يأيها الذين آمنوا"، و "يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم"، وعلينا أن نفرق فى جميع الأحوال بين النداءين؛ ليظل ما كان عالمياً فى عالميته، وليبقى ما كان خاصاً فى خصوصيته، مهما علت الأصوات، ونشطت الدعوات.

تم بحمد الله.

المصادر: الموضوع كله من كتاب: تاريخ القرآن ولغته للدكتور: محمد خليل نصر الله، ما عدا مشاركة: أمية حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهي من كتاب: على أعتاب الحضرة المحمدية لفضيلة الأستاذ الدكتور: محمود السيد صبيح حفظه الله.


_________________
أبا الزهراء قد جاوزت قدري *** بمدحك بيد أن لي انتسابا

سألت الله في أبناء ديني *** فإن تكن الوسيلة لي أجــابا


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تاريخ القرآن ولغته ... انتظرونا في رمضان إن شاء الله.
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين يونيو 03, 2019 4:34 am 
غير متصل
Site Admin

اشترك في: الاثنين فبراير 16, 2004 6:05 pm
مشاركات: 19201

الفاضل حتى لا أحرم

شكرا جزيلا على المجهود الطيب

وكل عام وأنتم والأسرة الكريمة بخير

تقبل الله منا ومنكم

_________________
عَنْ عَلِيٍّ قَالَ كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تاريخ القرآن ولغته ... انتظرونا في رمضان إن شاء الله.
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين يونيو 03, 2019 4:21 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد إبريل 15, 2012 12:39 pm
مشاركات: 3053

بل الشكر كل الشكر لفضيلتكم سيدي الشريف

وربنا ما يحرمنا من حضرتك أبداً بجاه سيدنا النبي وأهل بيته الطيبين الطاهرين عليهم الصلاة والسلام

وكل عام وفضيلتكم والأسرة الكريمة بألف ألف ألف خير وهنا ورضا وسعادة وسرور وراحة بال وأمن وأمان وسلم وسلام

يا رب يا رب يا رب يا رب يا رب.


_________________
أبا الزهراء قد جاوزت قدري *** بمدحك بيد أن لي انتسابا

سألت الله في أبناء ديني *** فإن تكن الوسيلة لي أجــابا


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تاريخ القرآن ولغته ... انتظرونا في رمضان إن شاء الله.
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين يونيو 03, 2019 6:44 pm 
غير متصل

اشترك في: الجمعة فبراير 27, 2004 4:45 am
مشاركات: 13995
msobieh كتب:

الفاضل حتى لا أحرم

شكرا جزيلا على المجهود الطيب

وكل عام وأنتم والأسرة الكريمة بخير

تقبل الله منا ومنكم


اللهم آمين يارب العالمين

وكل عام وحضرتك بخير وسعادة الاخ الفاضل حتى لا أحرم

وجزاك الله كل خير


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 34 مشاركة ]  الانتقال إلى صفحة السابق  1, 2, 3

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط