موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ مشاركة واحده ] 
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: الشيخ زكريا الأنصارى رضى الله عنه
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء سبتمبر 26, 2012 11:38 am 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 3446
صورة


صورة

[b]"هو الشيخ زكريا الأنصارى الخزرجى، جاء إلى القاهرة فى عهد السلطان قايتباى والتحق بالأزهر الشريف، وكان شابا فى الثامنة عشرة من عمره. ويحدثنا تلميذه الشعرانى عن قصة حياة شيخه منذ جاء إلى مصر فيقول: حكى لى الشيخ زكريا: مرة أمره منذ مجيئه إلى مصر حتى وقتنا هذا (أى القرن العاشر الهجرى السادس عشر الميلادى) قال: أحكى لك أمرى من ابتدائه حتى انتهائه حتى تحيط به علما كأنك عاشرتنى من أول عمرى، فقلت له: نعم، فقال: جئت من البلاد وأنا شاب فلم أعكف على أحد من الخلق ولم أعلق قلبى به وكنت أجوع فى الجامع (الأزهر) كثيرا فأخرج بالليل إلى قشر البطيخ الذى كان بجانب الميضأة وغيرها فأغسله وآكله إلى أن قيض الله لى شخصا كان يشتغل فى الطواحين فصار يتفقدنى ويشترى لى ما أحتاج إليه من الكتب والكسوة ويقول يا زكريا لا تسأل أحدا فى شئ، فمهما تطلب جئتك به، فلم يزل كذلك سنين عديدة .
ويستمر الشيخ زكريا فى سرد قصة حياته مع ذلك الرجل المحسن لتلميذه الشيخ الشعرانى حتى يأتى إلى نهايتها فيقول: "وفى ليلة من الليالى والناس نيام جاءنى وقال لى: قم، فقمت معه فوقف لى على سلم الوقاد الطويل وقال لى: اصعد هذا فصعدت فقال لى اصعد فصعدت إلى آخره، فقال لى تعيش حتى يموت جميع أقرانك وترتفع على كل من فى مصر من العلماء، وتصير طلبتك شيوخ الإسلام فى حياتك حتى يكف بصرك فقلت: ولابد لى من العمى، قال : ولابد لك ثم انقطع عنى فلم أره من ذلك الوقت ".
واستمر الشيخ زكريا ملازما للأزهر الشريف والاستماع على كبار علمائه وفقهائه والمتصوفين منهم خاصة حتى أصبح أحد أركان الطريقين الفقه والتصوف. وكان رحمة الله عليه دائبا فيما ينفعه وينفع الناس ، كما كان للوقت عنده حساب كبير. وفى ذلك يقول الشعرانى: قد خدمته عشرين عاما فما رأيته قط فى غفلة ولا اشتغال بما لا يعنى ليلا ولا نهارا، وكان مع كبر سنه يصلى سنن الفرائض تماما ويقول: لا أعود نفسى الكسل. وكان إذا جاءه شخص وطول فى الكلام يقول بالعجل ضيعت علينا الزمن" .
وقد التحق فترة غير قصيرة بخانقاه سعيد السعداء، فقد كان، كما قال عن نفسه: "من صغرى وأنا أحب طريق القوم (أى التصوف) وكان أكثر اشتغالى بمطالعة كتبهم والنظر فى أحوالهم، فاجتمع بشيوخ المتصوفين، وقد تسنى له أثناء أقامته بخانفاه سعيد السعداء أن يجتمع بشيوخ المتصوفين فانتفع بعلمهم فى الطريق كما انتفعوا بعلمه فى الفقه وعلوم الشريعة، وقد ظهر أثر الخانقاه واضحا فى بعض مؤلفاته مثل شرحه على رسالة القشيرى فى علم التصوف وكتابه المسمى بقواعد الصوفية. وحاشيته لتفسير البيضاوى .
والخانقاه، كلمة فارسية تعنى المكان الذى ينقطع فيه المتصوف للعبادة، ويفصل المقريزى معنى خانقاه فيقول: الخوانك جمع خانكاه وهى كلمة فارسية معناها بيت الأكل وقيل أصلها خونقاه أى الموضع الذى يأكل فيه الملك. ويتكلم عن نشأة العمائر الدينية التى عرفت بالخوانق فى الإسلام فيقول: والخوانك نشأت فى الإسلام فى حدود القرن الرابع للهجرة وجعلت لتخلى الصوفية فيها لعبادة الله تعالى. أما فى مصر فلم تظهر الخوانق إلا فى القرن السادس الهجرى وفى عصر صلاح الدين الأيوبى. أما من حيث التخطيط المعمارى لهذه المنشآت الدينية فقد اقتضت وظيفتها أن يكون لها تخطيط خاص، فهى بذلك تجمع بين تخطيط المسجد والمدرسة ويضاف إلى هذين التخطيطين الغرف التى يختلى أو ينقطع بها المتصوف للعبادة والتى عرفت فى العمارة الإسلامية باسم الخلاوى. وقد يكون من المفيد أن نعرف شيئا عن تاريخ خانقاه سعيد السعداء أول خانقاه أنشئت فى مصر وهى التى انقطع فيها شيخنا زكريا للعبادة فترة غير قصيرة، والتى جاء فى ترجمة حياته أنه كان لا يأكل إلا من خير خانقاه سعيد السعداء، ويقول: " ووقفها كان من الملوك الصالحين، ووقف وقفها بإذن النبى صلى الله عليه وسلم ". تقع هذه الخانقاه بخط رحبة باب العبد من القاهرة كما يقول المقريزى: (حى الجمالية الآن)، وكانت أول دار تعرف فى عصر الدولة الفاطمية بدار سعيد السعداء (1) ، وهو كما يقول ابن ميسر، (بيان) ولقبه سعيد السعداء أحد الأستاذين المحنكين خدام قصر الخليفة المستنصر بالله الفاطمى.
وكانت هذه الدار مقابل دار الوزارة، فلما تولى الصالح طلائع الوزارة سكنها وفتح من دار الوزارة إليها سردابا تحت الأرض ليمر فيها. فلما استولى صلاح الدين على مصر، وقف هذه الدار على الفقراء الصوفية الوافدين من البلاد النائية وذلك فى سنة 569هجرية وولى عليهم شيخا ووقف عليهم كثيرا من الأوقاف عقاريه بالقاهرة وزراعية بالبهنسا (بالمنيا الآن). وقد جاء فى شرط الوقفية أن من مات من الصوفية وترك عشرين دينارا فما دونها كانت للفقراء ولا يتعرض لها الديوان السلطانى، ومن أراد منهم السفر يعطى تسفيرة ورتب للصوفية فى كل يوم طعاما ولحما وخبزا وبنى لهم حماما بجوارهم، وهنا يقول المقريزى: فكانت أول خانقاه عملت بديار مصر وعرفت باسم (دويرة) الصوفية ونعت شيخها بشيخ الشيوخ ".
وقد تهيأت للشيخ زكريا أن يضع فى خانقاه سعيد السعداء الكثير من مؤلفاته العظيمة نذكر منها شرح البخارى المعروف باسم فتح البارى للحافظ ابن حجر وشرح البخارى للكرمانى وشرحه للعينى الحنفى وشرحه لشهاب الدين العسقلانى. وكان يقوم بالكتابة له فى معظم الأحيان تلميذه الشيخ الشعرانى فهو يقول: " وكان خطى متميزا فيه وأظنه يقارب النصف، ويضيف فيقول: وكنت إذا جلست معه كأنى جالست ملوك الأرض الصالحين العارفين، وكان أكبر المفتين بمصر يصير بين يديه كالطفل وكذلك الأمراء والأكابر.
وقد جاء فى ترجمته أن بوادر الكشف بدأت تظهر عليه بعد تأليفه لكتابه شرح (البهجة) الذى استبعد جماعة من أقرانه أن يكون هو مؤلفه، فكتبوا على نسخة منه كتاب الأعمى والبصير تنكيتا عليه، كما يقول: لكون رفيقى فى الاشتغال كان ضريرا، وكان تأليفى له فى يومى الأثنين والخميس فقط فوق سطح الجامع الأزهر. وهنا يصرح الشيخ زكريا بظهور الكشف عليه فيقول: وكان وقتى رائقا وظاهرى بحمد الله محفوظا، وكنت مجاب الدعوة لا أدعو على أحد إلا ويستجاب الدعاء فأشار على بعض الأولياء بالتستر بالفقه، وقال استر الطريق فليس هذا زمانه، فلم أكد أتظاهر بشئ من أحوال القوم إلى وقتى هذا. ويستطرد الشيخ زكريا فى الحديث عن كشفه فيقص علينا القصة التالية: " كنت معتكفا مرة فى العشر الأخير من شهر رمضان فوق سطح الجامع الأزهر فجاءنى رجل تاجر من الشام وقال لى إن بصرى قد كف ودلنى الناس عليك تدعو الله أن يرد على بصرى. وكان لى علاوة فى إجابة دعائى فسألت الله أن يرد عليه بصره. فأجابنى ولكن بعد عشرة أيام، فقلت له الحاجة قضيت على شرط أن تسافر من هذا البلد إن أردت أن يرد الله عليك بصرك، وذلك خوفا أن يرد عليه بصره فى مصر فيهتكنى بين الناس. فسافر فرد عليه بصره فى غزة وأرسل لى كتابا بخطه، فأرسلت أقول له : متى رجعت إلى مصر كف بصرك فلم يزل بالقدس إلى أن مات بصيرا".
وقد بدأت تظهر تنبؤات الرجل المحسن الذى تولى أمر الشيخ زكريا عندما جاء إلى القاهرة معد ما لا يجد قوت يومه، عندما عرض عليه وظيفة قاضى القضاة وأخذ يرفضه المرة تلو المرة ولم يقبلها حتى ألح عليه السلطان فى الرجاء، وهنا يقول: "تزايد على الحال إلى أن عزم على السلطان بالقضاء فأبيت، فقال: إن أردت نزلت ماشيا بين يديك أقود بغلتك إلى أن أوصلك إلى بيتك، فتوليت وأعاننى الله على القيام به" ويصف لنا حاله بعد تولى وظيفة القضاء وأحاسيسه النفسية فيقول: ولكن أحسست من نفسى أنى تأخرت عن مقام الرجال (أى المتصوفين)، فشكوت إلى بعض الرجال فقال إن تشعر وتحس به إنما هو تقديم إن شاء الله تعالى فإن العبد إذا رأى نفسه متقدما فهو متأخر وإِن رأى نفسه متأخرا فهو متقدم فسكن روعى".
وكان للسلطان قايتباى فيه اعتقاد وولاية فينصح بنصحه ويقبل لاذع نقده بمنتهى الرضا ورحابة الصدر. وكان الشيخ زكريا يحس بهذا ويعلمه تمام العلم، فهو الذى يقول: ما كان أحد يحملنى كما يحملنى السلطان قايتباى فقد كنت أحط عليه فى الخطبة حتى أظن أنه ما عاد قط يكلمنى. فأول ما أخرج من الصلاة يتلقانى ويقبل يدى ويقول جزاك الله خيرا. وقد أوعزت هذه المعاملة الكريمة التى عامل بها السلطان الشيخ زكريا، صدور كثير من حساده من الأمراء والشيوخ على السواء، خاصة وقد عرف عن قايتباى الشدة والصرامة فى معاملة أتباعه وحاشيته وعدم قبوله للنقد على الإطلاق. فكيف وهو يستمع إلى شتائم الشيخ زكريا تكال عليه عيانا بيانا فى خطبة الجمعة. فلم يزل هؤلاء الحساد حتى أوقعوا بينهما وبرغم ذلك فلم يصدر من قايتباى لفظ أو فعل يسئ إلى الشيخ وفى ذلك يقول: فلم تزل الحسدة بنا حتى أوقعوا بيننا الوقيعة وكان ماسكا لى الأدب ما كلمنى كلمة تسوءنى قط، ولقد طلعت له مرة فأغلظت له القول فأصفر لونه، فتقدمت إليه وقلت له : والله يا مولانا إنما أفعل ذلك معك شفقة عليك وسوف تشكرنى عند ربك وأنى والله لا أحب أن يكون جسمك هذا فحمة من فحم النار فصار ينتفض كالطير. وكنت أقول له أيها الملك تنبه لنفسك فقد كنت معدما فصرت وجودا وكنت رقيقا فصرت حرا وكنت مأمورا فصرت أميرا وكنت أميرا فصرت ملكا. فلما صرت ملكا تجبرت ونسيت مبدأك ومنتهاك.
ضريح شيخ الإسلام الشيخ زكريا الأنصارى بقبة الأمام الشافعى 926هجرية =1520م.

الوصف المعمارى.
يحدثنا الشيخ الشعرانى أن الشيخ زكريا عرف مكان قبره قبل مماته دون أن يكون له فيه اختيار، فيقول: كنت يوما أطالع له فى شرح البخارى، فقال لى قف: اذكر لى مارأيته فى هذه الليلة، وقد كنت قد رأيت أننى معه فى مركب قلعها من حرير وحبالها وفرشها سندس أخضر وفيها أرائك ومتكآت من حرير والإمام الشافعى رضى الله عنه جالس فيها والشيخ زكريا عن يساره، فقبلت يد الإمام الشافعى، ولم تزل تلك المركب سائرة بنا حتى أرست على جزيرة من كبد البحر الحلو. وأخذ يصف الشعرانى كل ما فى الجزيرة من بساتين وفاكهة وزهور ونساء كحور الجنة حتى إذا ما انتهى من سرد منامه قال له الشيخ زكريا: إن صح منامك فأنا أدفن بالقرب من الإمام الشافعى رضى الله عنه".
فلما مات الشيخ زكريا هيأ له أصدقاؤه وتلاميذه قبرا بقرافة باب النصر فجاء جماعة من أصدقاء الشيخ الشعرانى ممن يعرفون منامه وقالوا له: لقد كذب منامك يا شعرانى وهنا يقول الشعرانى : فبينما نحن كذلك وإذا بقاصد الأمير خير بك نائب السلطنة بمصر يقول: إن ملك الأمراء ضعيف لا يستطيع الركوب إلى هنا. وأمر أن تركبوا الشيخ زكريا على تابوت وتحملوه للأمير ليصلى عليه فى سبيل المؤمنين بالرميلة (ميدان القلعة). فحملوه وصلوا عليه، فقال خير بك: ادفنوه بالقرافة عند الشيخ نجم الدين الخيوشانى تجاه وجه الإمام الشافعى. وكان ذلك فى ذى الحجة سنة ست وعشرين وتسعمائة"."
اهـ. [/b]


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ مشاركة واحده ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 4 زائر/زوار


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط