موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ مشاركة واحده ] 
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: ***( التوكل من غير تواكل )***
مشاركة غير مقروءةمرسل: السبت مارس 05, 2005 8:31 pm 
غير متصل

اشترك في: الاثنين يونيو 14, 2004 9:28 pm
مشاركات: 174
مكان: ***( حضن سيدنا النبي)***
( التوكل من غير تواكل )

بسمك اللهم ينطقُ الخطيب ، سبحانك ربي فأنت القريب ، ما سبّح الحوت في البحر العجيب، أدعوك ربي فأنت المجيب ، سدّد القول لا تجعله يغيب ، ولا تجعله عند الناس غريب ، وصلِّ اللهم على رسولك الحبيب ، ما غرّد الشادي على الغصن الرطيب ، واجمعنا به وبجمعه المهيب.
لا تبنون بما أكتب حُكما ، ولكن نصيحة صغتها حِكما ، ومن أُوتي الحكمة صار نجما ، وعليه الله قد أنعما..
فبسم الله أبدأ القول ، والصلاة والسلام على الرسول ، وعلى آله وصحبه ومن والاه في الفعل والقول ، فأقرئوا يا أصحاب العقول ، حتى وإن كان في المقال طول ، في ذبي عن الدين حياة كالقصاص !! من المبطلين بلا سيف ولا رصاص !! لكل أسلوبه وهذا أسلوبي الخاص ، أنا لست من أهل الاختصاص!! ولست الأديب القاص ، بآي الكتاب والحديث بنيت الأساس، فلا تفرّون من الحق فمنه لا مناص!!!
هو علي عهد...فأما بعد :
الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين ...


التوكل على الله منزلة عظمى من منازل الدين ، و مقام كريم من مقامات الموفقين ، بل هو من معالي درجات المقربين ، و هو معني ينبني على اليقين و التوحيد الصحيح ، الذي يترجمه قول المؤمن : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ) و على الإيمان بالقدرة الذي يترجه قوله : ( له الملك ) و على الإيمان بالجود و الحكمه الذي يدل عليه قوله ( و له الحمد ) فمن قال ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك و له الحمد و هو على كل شئ قدير ) ، ثم له الإيمان الذي هو أصل التوكل ، و التوكل عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده مع العلم بأن السبب لابد منه و لكنه لا يفعل شئ ، إنما الفعل لله وحده لا شريك له ، فمن أعتمد على الأسباب فقد أشرك في التوحيد ، و من تثاقل عنها فقد طعن في الدين و الشرع ، و خالف الطبع ، و سنن الكون ، و من جمع بين الأمرين الأخذ بالأسباب من غير اعتماد عليها بل جعل اعتماده في تحقيق مطلوبة على الله وحده فذلك من المؤمنين حقاً الذين جمعوا بين مطالب الدين و الدنيا ، و منطق التوحيد و الشرع و العقل ، و هو الذي يقول الله سبحانه و تعالى في شأنه : ( و من يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا ) ، و هو من كتب الله له الحب في قوله : ( إن الله يحب المتوكلين ) ، و هذا هو التوكل الذي أمر الله سبحانه به في قوله : ( و على الله فليتوكل المتوكلون ) ، و هو الذي وجه إليه في قوله : ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم و إن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) و في قوله ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا و على الله فليتوكل المؤمنون ) ، و في قوله ( و لله خزائن السموات و الأرض و لكن المنافقين لا يفقهون ) ، و في حديث سيدنا عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال ، قال النبي صلَّى الله عليه وسلم : ( عرضت علي الأمم فرأيت النبي و معه الرهط و النبي و معه الرجل و الرجلان و النبي و ليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي : هذا موسى و قومه و لكن انظر إلى الأفق فإذا سواد عظيم فقيل لي : انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم فقيل لي : هذه أمتك و معهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب و لا عذاب هم الذين لا يرقون و لا يسترقون و لا يتطيرون و لا يكتوون و على ربهم يتوكلون ) .
و قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ( لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً و تعود بطانا و لزالت بدعائكم الجبال ) .
و إن لله تعالى في مخلوقاته سنناً لا تتغير و طرقاً لا تتبدل قال تعالى : ( سنة الله في الذين خلوا من قبل و لن تجد لسنة الله تبديلا ) .فقد خلق الله السموات و زينها بزينة الكواكب ، و خلف الأرض و جعل لها الجبال رواسي و أنبت فيها من كل زوج بهيج تبصرة و ذكري لكل عبدٍ منيب ، و خلق الإنسان و جعله خليفة في الأرض ليعمرها ، و سخر له ما في السموات و ما في الأرض جميعاً ، و جعل في ذلك كله آيات لقوم يتذكرون و أمره بالتفكر في ملكوت السموات و الأرض و النظر في سنته تعالى ليسترشد بذلك التدبر و ليهتدي بذلك التفكر إلى الطريق التي يحقق بها الغاية من خلقه و المقصود من إيجاده و تلك الغاية هي شكر الله تعالى على ما أنعم به عليه من النعم التي لا تعد ولا تحصي قال تعالى : ( و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) ، و الشكر على وجه الحق لا يتم إلا بالإخلاص لله و التوجه إليه و الأستعانه به في الحقيقة دون غيره من المخلوقات التي لا تضر ولا تنفع و لا تجلب خيراً و لا تدفع شراً قال تعالى : ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً و لو اجتمعوا له و إن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى عزيز ) .
الإيمان الصادق يتطلب من المؤمن التفويض الكامل إلى ربه في جميع أموره و الاعتماد عليه مع التمسك بالأسباب و الأخذ بالوسائل التي تجعل الحياة سعيدة و الحضارة زاهرة و العمران بالغاً أشده . هذه هي العقيدة الصحيحة التي يتطلبها الإسلام و يوصي بها الإيمان ، و هي التوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب و الوسائل في كل عمل من الأعمال مع الاعتقاد بأنه لا فاعل إلا الله و لا رازق إلا الله و لا مطعم إلا الله و لا محي و لا مميت إلا الله و إنه قادر على كل شئ ، و أن علمه محيط بكل شئ .
هذا و قد ظن بعض الجاهلين و من لا معرفة له بسر الدين و لا بحكمة أحكم الحاكمين إن التوكل على الله معناه الخمول و الكسل و النوم و الغفلة ، فخسر هؤلاء دينهم و دنياهم فأذلوا أنفسهم و أضعفوا قوتهم و انحلت منهم العزائم و عميت منهم الأبصار ، فتباً لهؤلاء الغافلين و سحقاً لهؤلاء المتواكلين ، الذين لم يميزوا بين التواكل و الأخذ في الأسباب و الإهمال للوسائل هؤلاء لو تتبعوا سيرة نبيهم الحبيب صلَّى الله عليه و سلم و صحابته المختارين لأقتبسوا من سيرتهم أحين قدوة و أعظم عبرة فهذا هو الرسول الكريم صلَّى الله عليه و سلم يبدأ دعوته سراً مستخفياً عن أعين المعاندين لأن هذه الطريقة هي الوسيلة التي يستطيعها في ذلك الوقت و تلك الحقبة ، و ذلك الطور من أطوار الرسالة ، ثم جهر بعد ذلك بدعوته حيث تهيأت له الأسباب و استقامت له الأمور و سنحت له الفرصة ، و في كلا الأمرين كان معتمداً على ربه مفوضاً إليه أمره ، مخلصاً إليه وجهه .
تطورت دعوته و أشتد كيد المعاندين له حتى ضاقت عليه و على أصحابه الأرض بما رحبت و ظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ، فأعدوا العدة و سارعوا إلي الهجرة من مكة إلى المدينة فراراً بدينهم و انتصاراً لعقيدتهم ، و لم يحملهم توكلهم على الله على البقاء في مكة أذلاء مضطهدين بل أتبعوا هدي رب العالمين إذ يقول ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ، قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) .
فالمؤمن الحق صاحب عقيدة الصدق لا يسلم نفسه إلى الهوان و يترك أسباب العز و السلطان ، فإن تركه الأخذ بالأسباب إعراض عن الدين و تباعد عن سنة خير المرسلين ، فالرسول الكريم صلَّى الله عليه و سلم جرت عليه سنة الله في خلقه و أصابه ما أصاب إخوانه الأنبياء من قبل من أذي المعارضين و طغيان المشركين ، فأثر التوكل الصحيح يظهر في حركة العبد و سعيه جالباً للنفع دافعاً للضر فإن الأسباب ارتبطت بمسبباتها بتقدير الله و مشيئته ارتباطاً مضطرداً لا يتخلف ولا يتغير ، قال تعالى : ( فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه ) ، و قال جل شأنه : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض و ابتغوا من فضل الله ) .
كما ألهم أضعف مخلوقاته السعي لطلب القوت فألهم النحلة السعي إلى رزقها و اكتساب قوتها و إعداد مسكنها و ألهم النحلة أن تتخذ من الجبال بيوتاً و من الشجر ثم تأكل من الثمرات فتخرج من بطونها شراباً مختلفاً ألوانه فيه شفاء للناس ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) .
فيا أيها الأحباب تدبروا سنن ربكم ، و أعملوا بهدي نبيكم صلَّى الله عليه و آله و سلم و لا تتكاسلوا عن الجد و العمل لتحفظوا حياتكم ، و تتهيأ في عيشتك و خذ بالأسباب التي تدفع عنك المرض و الجهل و الفقر ، فلا تترك التداوي متكلاً على ربك فأنت مخطئ في توكلك المزعوم ، حائد عن الطريق السوي و المنهج القويم المستقيم ، و إليك ما صنعة أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه للوقاية من الأمراض ، فإن الصحابة رضى الله عنهم لما قصدوا الشام و انتهوا إلى الجابية ( مدينة بالشام ) بلغهم الخبر أن به موتاً عظيماً و وباء ذريعاً ، فافترق الناس فرقتين فقال بعضهم لا ندخل على الوباء فنلقى بأيدينا إلى التهلكة ، و قالت طائفة أخرى بل ندخل و نتوكل و لا نهرب من قدر الله تعالى و لا نفر من الموت فنكون كم قال الله فيهم ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم و هم ألوف حذر الموت ) ، فرجعوا إلى سيدنا عمر فسألوه عن رأيه فقال : نرجع و لا ندخل على الوباء ، فقال المخالفون لرأيه : أنفر من قدر الله ؟! ، فقال سيدنا عمر صاحب الفراسة الصادقة و النظر الثاقب : نعم نفر من قدر الله تعالى إلى قدر الله ؛ ثم ضرب لهم مثلاً فقال : أرأيتم لو كان لأحدكم غنم فهبط وادياً له شعبتان إحداها مخصبة ، و الأخرى مجدبة ، أليس إن رعي المخصبة رعاها بقدر الله ، و إن رعوا المجدبة رعاها بقدر الله ، فقالوا نعم .
ثم طلب سيدنا عمر سيدنا عبد الرحمن ابن عوف ليسأله عن رأيه و كان غائباً ، فلما أصبح جاء سيدنا عبد الرحمن فسأله سيدنا عمر عن ذلك فقال عندي فيه - يا أمير المؤمنين - شئ سمعته من رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلم ، فقال سيدنا عمر : الله أكبر ، فقال سيدنا عبد الرحمن سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يقول : ( إذا سمعتم بالوباء في أرض فلا تقدموا عليها ، و إذا وقع في أرض و أنتم بها فلا تخرجوا منها فراراً منه ) ، ففرح سيدنا عمر بذلك و حمد الله تعالى إذ وافق رأيه سنه رسول الله صلَّى الله عليه و سلم و رجع من الجابية بالناس ، هذا هو التوكل الذي أمر به الدين و فهمه الصحابة الراشدون فأفلحوا في جلب ما ينفعهم و دفع ما يضرهم .
و فقنا الله و إياكم إلى التوكل الصحيح عليه ، و جنبنا التواكل و الكسل و الإهمال في العمل و هدانا سواء السبيل إنه بعباده لطيف خبير .

فهذه نصيحتي...
ولن تكتمل فرحتي ، إلا إن زالت بها معصيتي ، و أعانتني على شقوتي ...
فيا رب تقبل مني هذا العمل ، وأهد قارئه لترك العلل و التمسك بالسنن ، فإن أخطأت فإني أبرأ إليك ربي من الزلل ، وإن أصبت فأنت الأعلم وأنت الأجل ، ولك اللهم المثل الأعلى إن قيل المثل!

قال تعالى : { إن تعذِّبهمْ فإنَّهُم عبادُكَ وإن تغفر لَهُمْ فإنكَ أَنتَ العزيز الحكيم } ...
صدق الله العظيم
والحمد لله على ما صنع ، وما أعطى وما منع ، وما أعـزّ وما وضع ، ما صَدح مُغرّدٌ أو هَجع.ربُّ الأرض والسماوات ، وما بينهما من كائنات ...
سبحانه المُـتعالي ... يسرّ اختزالي ... لمقالي في هذه الكلمات ...



أخوكم في الله
خادم العلم الشريف
هاني ضوّه

_________________
بئس الانام ثلاثة و إمامهم ذاك الخبيث الأحمق الحراني
تلميذه ابن القيم النزِق الذي ذم الكرام بقوله البهتــان
وخليفة الاثنين ناشر كفرهم ذَنَّبٌ يسمى ناصر الألبانــي


***(اللهم اجعلني من المهتدين واجعلني سببًا لمن إهتدى )***


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ مشاركة واحده ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 12 زائر/زوار


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط