موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 4 مشاركة ] 
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: الحركة في الذكر ومشروعيتها
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأحد يونيو 08, 2008 1:21 am 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2005 12:40 am
مشاركات: 12353
مكان: مصـــــر المحروســـة
[font=Tahoma][align=justify]
الحركة في الذكر

[ تمهيد:

الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد وعندما برزت الأجساد إلى عالم الوجود أودعت تلك الأرواح فيها.

والروح من طبعها السمو والتعالي عن صفات البشرية بل هي من مرافقات الملأ الأعلى فمن صفت روحه من شوائب الأغيار وطهرت من دنس الأوزار كان قريبا إلى العالم الروحاني الذي لا يغفل فيه عن ربه ولا يلتفت إلا إليه .

ومن انكسفت أنوار روحه وغشتها ظلمات الوهم والشهوات هوى في واد سحيق عميق من أودية البهيمية قال تعالى : ﴿إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ [1].

وحينما يقرأ العبد القرآن أو يذكر الله تستمد الروح من ذلك طاقات فعالة وتكتسب قوة وصفاء فتهتز في الجسم وتضطرب شوقا لمن ألفتهم من يوم ﴿ألست بربكم﴾ [2].

وهذا هو سبب تحريك الإنسان رأسه حال الذكر وتلاوة القرآن فكأن الروح تشتاق إلى القرب من حضرة ربها إذا سمعت كلامه أو اسمه فتكاد تلحق بعالمها وأفقها السماوي الروحاني حيث الملأ الأعلى وتتجرد من ظلمة هذا الجسد وتتخلص من عوائقه ولكن الذي يعوقها ضعفها وكدورتها والقيود التي قيدها بها الجسد من شهوات وغيرها.

فكم من رجال ملائكيين بأرواحهم ربانيين بأخلاقهم لا يقدرون على تثبيت أنفسهم أثناء الذكر لشدة اضطراب أرواحهم في أجسادهم وانفعال نفوسهم وربما غابوا عن إدراكهم وسبحت أرواحهم في عالم الملكوت.

قال بعض العارفين: سبب اضطراب الإنسان بالصوت الحسن أن الروح تتذكر لذيذ الخطاب يوم (ألست بربكم) حين أخرجت من صلب آدم وخوطبت بذلك فتحن لما تتذكر ذلك [3].

ومن الأمور المسلم بها أن الإنسان يتأثر بالكلمة الطيبة ويهتز للصوت الرخيم ويطرب للنغمة الحلوة والإيقاع الموزون ويأسره المنظر البهيج ولا يدري كيف تتم هذه الأمور في نفسه؟ وأين محالها في ذاته؟ فإن أراد التعبير عنها باللغة الموضوعة للتخاطب جاء تعبيره ناقصا وتخونه العبارة إذا أراد أن يفصح عما يشعر به إفصاحا واقعيا لأنها أمور لا تنال إلا بالذوق ويقف الحس أمامها مبهوتا حائرا قد لا يستطيع ضبط نفسه عن ذلك التأثير فتصدر عنه أصوات أو حركات دون إرادته وقد ينتقده الآخرون عليها وينفعل بذلك ولكنه لا يملك التحكم بمشاعره وانفعالاته.

وهكذا يستولي حب الذكر على قلب صاحبه استيلاء قويا ويتمكن منه تمكنا لا يستطيع ضبط نفسه عنده وهذا ما عبر عنه العلماء (الوجد والتواجد) فالوجد كما قال الشيخ أمين الكردي في (تنوير القلوب) وارد يرد على القلب من كشف أسرار الذات وأنوارها فيدهش الروح أو يظهر ذلك على الجوارح فيهتز الرأس والبدن قال تعالى ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ [4].

وورد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صعد أحدا يوما ومعه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فاهتز الجبل فرحا وتحرك طربا وزهوا بمن علاه فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برجله وقال( اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) وقال(إن أحدا جبل يحبنا ونحبه) [5].

إن الجبال الرواسي قد طربت واهتزت فرحا برسول الله ومحبة فيه فكيف حال المؤمن الصادق الذي وله بذكر محبوبه واستولى حبه على قلبه؟ وعلينا تحسين الظن بالناس وكل أعلم بنفسه ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ [6] ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن [7]﴾ [8].

1- أدلة الحركة في الذكر من القرآن الكريم

يقول الله تعالى ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ [9].

قال الآلوسي في تفسيره عند قوله تعالى ﴿يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ بعد كلام طويل [10] : وعليه فيحمل ما حكي عن ابن عمر رضي الله عنهما وعروة بن الزبير وجماعة رضي الله عنهم من أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال بعضهم ، أما قال الله تعالى ﴿يذكرون الله قياما وقعودا﴾ فقاموا يذكرون الله تعالى على أقدامهم على أن مرادهم بذلك التبرك بنوع موافقة للآية في ضمن فرد من أفراد مدلولها.

ويقول العلامة الكتاني: غاية الرقص عند القوم ذكر من قيام وهو مشروع بنص القرآن الكريم ﴿يذكرون الله قياما وقعودا﴾ والتمايل والاهتزاز منقول عن الصحابة فقد روى أبو نعيم عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذكروا الله تمايلوا كما تتمايل الشجرة بالريح العاصف إلى أمام ثم تراجع إلى وراء) [11].

ويقول سبحانه وتعالى ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾[12].

وقال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: ذكر الله تعالى ثلاث هيئات لا يخلو ابن آدم منها في غالب أمره فكأنها تحصر زمانه ومن هذا المعنى قول عائشة رضي الله عنها (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الله على كل أحيانه)[13]... إلى أن قال فذاكر الله تعالى على حالاته مثاب مأجور إن شاء الله [14]. [15]

2- أدلة الحركة في الذكر من السنة الشريفة:

1-عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر (أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبدا) فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده وقال حسبك يا رسول الله ألححت على ربك فخرج وهو يثب بالدرع وهو يقول﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾[16، 17] .

الشاهد في جواز قراءة كلام الله سبحانه وتعالى في حالة الوثب وهو الظفر والقفز فجوازا ذكر الله تعالى في هذه الحالة من باب أولى.

2-وعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد... إلى أن قالت: وهو صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «دونكم يا بني أرفده» حتى إذا مللت قال: «حسبك » قلت: نعم قال (فاذهبي) [18].

وفي رواية عن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: (كان الحبشة يرقصون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون بكلام لهم: محمد عبد صالح فقال صلى الله عليه وآله وسلم (ماذا يقولون؟) فقيل:يقولون : محمد عبد صالح)[19].

قال ابن حجر العسقلاني عند شرحه: دونكم يا بني أرفدة: يقولون دونكم بالنصب على الظرفية بمعنى الإغراء والمغزى به محذوف وهو لعبهم بالحراب وفيه إذن وتنهيض لهم وتنشيط [20].

ونقل العلامة الكتاني بعد أن ذكر عددا من أحاديث رقص الحبشة قوله فيها دلالة على أنواع من الرقص:
الأول : اللعب ولا يخفى عادة الحبشة في الرقص واللعب.
والثاني: قوله عليه الصلاة والسلام : «دونكم يا بني أرفدة» وهذا أمر باللعب والتماس له فكيف يقرر كونه حراما.
والرابع: منعه لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الإنكار والتغيير وتعليله بأنه يوم عيد أو وقت سرور.
والخامس: وقوفه طويلا في مشاهدة ذلك وسماعه لموافقة عائشة رضي الله عنها[21].

وقال العلامة الكتاني أيضا : (وحيث لم ينههم بل أقرهم وأغراهم فهو ذكر قصد به التعبد والطاعة وإظهار الفرح بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم فلذلك اقرهم عليه الصلاة والسلام وعجب من فعلهم ونالوا غاية الرضى منه)[22].

ونقل العلامة الكتاني من قول القاضي عياض ما نصه (فيه أقوى دليل على إباحة الرقص إذ زاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إقرارهم أن أغراهم نقله المواق [23]في سنن المهتدين والونشريسي [24]في المعيار وأقراه)[25].

3-وعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت(جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد فدعاني النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضعت رأسي على منكبيه انظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرف عن النظر اليهم )[26].

قال النووي في شرح صحيح مسلم عند شرح: (جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد (هو بفتح الياء وإسكان الزاي وكسر الفاء ومعناه يرقصون وحمله العلماء على التواثب بسلاحهم ولعبهم بحرابهم على قريب من هيئة الراقص)[27].

وقال حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى (والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط ولو كان حراما لما نظرت عائشة إلى الحبشة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يزفنون)[28].

4-عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الطريق إلى مكة فمر على جبل يقال له جمدان فقال: «سيروا هذا جمدان ، سبق المفردون» قالوا: وما المفردون يا رسول الله ؟ قال: «الذاكرون الله كثيرا»[29].

وفي رواية (يا رسول الله وما المفردون؟ قال« المستهترون بذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا»[30].

( والمستهترون بصيغة اسم الفاعل: هم المولعون بالذكر المداومون عليه لا يبالون ما قيل فيهم ولا فعل بهم)[31].

5-وعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الله في كل أحيانه[32].

6-وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال(أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقولوا مجنون) وفي رواية (حتى يقال إنه مجنون)[33] الشاهد فيه أن الذكر لله تعالى إن كان ساكنا لا موجب لقول الناس عنه مجنون لو لم ير بحالة وهيئة تدفع غيره من الغافلين إلى إلقاء تهمة الجنون عليه.

7-عن سيدنا علي بن أ بي طالب رضي الله عنه : (اختصم علي وجعفر وزيد ابن حارثة في ابنة حمزة فقال لعلي: أنت مني وأنا منك فحجل علي وقال لجعفر بن أبي طالب أشبهت خلقي وخلقي فحجل وقال لزيد بن حارثة أنت أخونا ومولانا فحجل زيد... الحديث)[34].

قال العلامة الكتاني (والحجل بحاء فجيم فلام رقص على هيئة مخصوصة) [35].

وقال ابن حجر العسقلاني عند شرح الحديث: (وحجل بفتح المهملة وكسر الجيم أي وقف على رجل واحدة وهو الرقص بهيئة مخصوصة)[36].

وقال فقيه السادة الشافعية بمكة المكرمة العلامة أحمد زيني دحلان رحمه الله تعالى في كتابه المشهور في السيرة النبوية عند ذكره الحديث ما نصه (فرقص يعني جعفر – رضي الله عنه من لذة هذا الخطاب فلم ينكر عليه صلى الله عليه وآله وسلم وجعل ذلك أصلا لرقص الصوفية عندما يجدون لذة المواجيد في مجالس الذكر والسماع)[37].

8-وروى أبو نعيم عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذكروا الله تمايلوا يمينا وشمالا كما تتمايل الشجرة بالريح العاصف إلى أمام ثم إلى وراء)[38].

9-وعن أبي أراكة يقول: صليت مع علي رضي الله عنه صلاة الفجر فلما انتقل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قدر رمح صلى ركعتين ثم قلب يده فقال: (والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أرى اليوم شيئا يشبههم لقد كانوا يصبحون صفرا شعثا غبرا بين أعينهم كأمثال ركب المعزى قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم فإذا اصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت عيونهم حتى تبل ثيابهم..)[39].

3- أقوال العلماء في الحركة في الذكر:

-الإمام السيد الكبير أحمد الرفاعي قدس الله سره:

قال رضي الله عنه : القوم سمعوا وطابوا ولكنهم سمعوا أحسن القول فاتبعوه وسمعوا غير الحسن فاجتنبوه تحلقوا وفتحوا مجالس الذكر وتواجدوا وطابت نفوسهم وصعدت أرواحهم لاحت عليهم بوارق الإخلاص حالة ذكرهم وسماعهم وترى أن أحدهم كالغائب على حال الحاضر كالحاضر على حال الغائب يهتزون اهتزاز الأغصان التي تحركت بالوارد لا بنفسها يقولون لا إله إلا الله ولا تنشغل قلوبهم بسواه.

يقولون: هو وبه لا بغيره يتباهون إذا غناهم الحادي يسمعون منه التذكار فتعلوا همتهم في الأذكار.

ولك أن تقول يا أخي: الذكر عبادة فما الذي أوجب أن يذكر في حلقته كلام العاشقين وأسماء الصالحين؟

ولكن يقال لك: الصلاة أجل العبادات يتلى فيها كلام الله وفيه الوعد والوعيد ويقال في تحية الصلاة (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ما أشرك المصلي ولا خرج عن بساط عبادته ولا عن حد عبوديته وكذلك الذاكر سمع الحادي يذكر اللقاء فطاب بطلب لقاء ربه.

(من أحب لقاء الله أحب الله لقاه)[40].

سمع الحادي يذكر الفراق فتأهب للموت وتفرغ من حب الدنيا: (حب الدنيا رأس كل خطيئة)[41].

سمع الحادي يذكر الصالحين فتقرب بحب أحباب الله إلى الله هذه من الطرق إلى الله التي هي بعدد أنفاس الخلائق:

غنى بهم حادي الأحبة في الدجى فأطار منهم أنفسا وقلوبا
فأراد مقطوع الجناح بثينة وهمو أرادوا الواحد المطلوبا

سمى القوم الهز بالذكر رقصا!! إذا كان وارد الهزة من الروح فنسبه الرقص للروح لا للجسم وإلا فأين الراقصون؟ وأين الذاركون؟

طلب هؤلاء حق وطلب هؤلاء ضلال؟

سارت مشرقة وسرت مغربا شتان بين مشرق ومغرب

الراقصون كذابون والذاكرون مذكورون بين الملعون والمحبوب بون [42]عظيم إذا دخلتم مجالس الذكر فراقبوا المذكور واسمعوا بأذن واعية.

وإذا ذكر الحادي أسماء الصالحين فألزموا أنفسكم اتباعهم لتكونوا معهم (المرء مع من أحب) [43]أوجبوا عليكم التخلق بأخلاقهم خذوا عنهم الحال والوجد الحق الوجد الحق : وجدان الحق.
فها هو سيد الطائفة قد بين لنا صدق قصد الذاكرين حينما يهتزون في الذكر متبرئا بذلك من كل ما ينسب إليه والى أتباعه من الظنون الكاذبة والدعاوي الباطلة.

-الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى:

سئل الحافظ ابن حجر المحدث الكبير عن رقص الصوفية وهل له أصل وهل رقص أحد بحضرة الرسول صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه؟

قال: نعم ، إن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه رقص بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال له : أشبهت خلقي وخلقي وذلك من لذة الخطاب ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو في مصطلح الحديث إقرار والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يسكت عن حرام أو مكروه.

وأفتى بجواز الرقص عند سؤال أحد الحاضرين في مجلسه فقال: يجوز الرقص بدليل فعل الحبشة في المسجد بين يدي رسول الله صلى وكان رقصهم بالوثبات والوجد وإنشاد الشعر جائز بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصل هذه الطرائق من الكتاب والسنة الحاثين على كثرة ذكر الله والاجتماع على محبة الله أما سب المشايخ وتكفيرهم فكفر شرعا بلا خلاف[44].

-الإمام خير الدين الرملي رحمه الله تعالى:

سئل العلامة خير الدين الرملي عما اعتاده الصوفية من حلق الذكر والجهر في المساجد ونشر القصائد وغير ذلك من عوائدهم فأجاب : إن الأمور بمقاصدها والأعمال بالنيات[45].

-الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى:

جاء في الحاوي للفتاوى ما يلي : مسألة : في جماعة صوفية اجتمعوا في مجلس ذكر ثم إن شخصا من الجماعة قام في المجلس ذاكرا واستمر على ذلك الوارد الذي حصل له فهل له ذلك سواء باختيار أم لا؟ وهل لأحد منعه وزجره من ذلك؟

فالجواب: لا إنكار عليه في ذلك ، وقد سئل عن هذا السؤال بعينه شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني [46]فأجاب بأنه لا إنكار عليه في ذلك وليس لمانع التعدي بمنعه ويلزم المتعدي بذلك التعزير وسئل عنه العلامة برهان الدين الأبناسي فأجاب بمثل ذلك وزاد أن صاحب الحال مغلوب والمنكر محروم ما ذاق لذة التواجد ولا صفا له المشروب إلى أن قال في أخر جوابه: وبالجملة فالسلامة في تسليم حال القوم.

وأجاب أيضا بمثل ذلك بعض أئمة الحنفية والمالكية كلهم كتبوا على هذا السؤال بالموافقة من غير مخالفة أقول وكيف ينكر الذكر قائما والقيام ذاكرا وقد قال الله تعالى ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ [47] وقالت عائشة رضي الله عنها (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الله على كل أحيانه) [48]وإن انضم إلى هذا القيام رقص أو نحوه فلا إنكار عليهم فذلك من لذات الشهود أو المواجيد وقد ورد في الحديث رقص جعفر بن أبي طالب بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قال له (أشبهت خلقي وخلقي) [49] وذلك من لذة هذا الخطاب ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان ذلك أصلا في رقص الصوفية لما يدركونه من لذات المواجيد وقد صح القيام والرقص في مجالس الذكر والسماع عن جماعة من كبار الأئمة منهم شيخ الإسلام العز بن عبد السلام [50].

-الإمام النووي رحمه الله تعالى:

ينص الإمام النووي عمدة المذهب الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه (منهاج الطالبين وعمدة المفتين) بعد أن ذكر عددا من المحرمات نفى منها الرقص فيقول ما نصه:

(لا الرقص إلا أن يكون فيه تكسر كفعل المخنث).

فيقول الرملي [51] في كتاب نهاية المحتاج في شرح المنهاج: (لا الرقص) فلا يحرم ولا يكره لأنه مجرد حركات على استقامة واعوجاج ولإقراره صلى الله عليه وآله وسلم الحبشة في مسجده يوم عيد.

ويقول عند قول النووي: (إلا أن يكون فيه تكسر[52] كفعل المخنث بكسر النون وهذا أشهر وهو أفصح فيحرم على الرجال والنساء وهو من يتخلق بخلق النساء حركة وهيئة)[53].

وقال النووي في الروضة (والرقص ليس بحرام)[54].

وتجدر الإشارة إلى خطأ من وقف عند كلمة: تكسر وأغمض عينيه عما قبلها وبعدها وفسر بانثناء الركبة فلو كان انثناء الركبة محرما لذاته لحرم الرمل في الطواف والهرولة في السعي لأنه يتعذر على الإنسان المشي بدون ثني ركبة فكلمة تكسر استعملها الفقهاء لعدم وجود أي دليل يحرم الرقص مطلقا من كتاب الله أو السنة المطهرة وإنما علة التحريم هي التشبه بالمخنثين والعلة تدور مع المعلول وجودا أو عدما والفقهاء عرفوا المخنث بأنه من يتخلق بخلق ا لنساء حركة وهيئة كما ذكره الرملي في نهاية المحتاج.

غير أني لم أجد هذا المعنى المتعسف في أمهات اللغة العربية كلسان العرب والقاموس المحيط وتاج العروس وغيرها.

وجاء في المعجم الوسيط: (ويقال لان فيه تخنث وتكسر: تفكك ورأيته متكسرا فاترا) والقاعدة الأًولية تقول: إذا تعارض معنى شرعي ومعنى لغوي قدم المعنى الشرعي ولذا فلا يلتفت إلى هذا الادعاء.

- سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام

قال في كتابه : زبد خلاصة التصوف المسمى بحل الرموز (صـ 68 – 71) :

(الفصل الرابع عشر )

في السماع وأنواعه وحكمه

[واعلم أنه تحتم هاهنا ذكر السماع وما هو منه محظور وما هو مباح وما هو مستحب مستحسن فإن كثيرا من المتعمقين والمتقشفين كرهوه وأنكروه أصلا وفرعا وحقيقة وشرعا وهذا غلط منهم لأن ذلك يفضي إلى تخطئة كثير من أولياء الله وتفسيق كثير من العلماء إذ لا خلاف أنهم سمعوا الغناء وتواجدوا وأفضى إلى الصرخ والغشية والصعق فكيف ينسب إليهم نقص وهم سالكون أتم الأحوال .

وإنما يحتاج ذلك إلى تفصيل ونظر في أهل السماع واختلاف طبقاتهم فمن صح فهمه وحسن قصده وصقلت الرياضة مرآة قلبه وحلت نسمات العزيمة فضاء سره وصفاء من تصاعد أكدار أرض طبعه وبخار بشريته وخيالات مقابلة وسواسه وعري عن حظوظ الشهوات وتطهر عن دنس الشبهات فلا نقول إن سماعه حرام وفعله خطأ.

.... وأما الإنزعاج الذي يلحق المتواجد فمن ضعف حاله عن تحمل الوارد وذلك لازدحام أنوار اللطائف في دخول باب القلب فيلحقه دهش فيغيب بجوارحه ويستريح إلى الصعقة والصرخة والشهقة لغلبة وجده وقهر إرادته

.....(واعلم) أنه قد حضر السماع وسمع وما قنع بالسماع حتى كشف القناع وتواجد وتحرك كثير من الأكابر والمشايخ والتابعين رحمهم الله وسمع من الصحابة عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر وكان عمر يرى إباحة السماع .] اهـ مختصرا

- وقال في (صـ 74 ) :

(الفصل الخامس عشر )

في الغناء والضرب بالدف

[وأما الضرب بالدف والرقص ، فقد جاءت الرخص في إباحته للفرح والسرور في أيام الأعياد والعرس وقدوم الغائب والوليمة والعقيقة وقد ثبت جواز ذلك بالنص فمن ذلك إنشادهم وضربهم بالدف عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم وقولهم :
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعى لله داعي ] اهـ

- ويقول في (صـ 76 ، 77 ) :

[وقد ثبتت النصوص بالغناء في بيته وضرب الدف في حضرته ورقص الجيوش في مسجده وإنشاد الشعر بالأصوات الطيبة بين يديه فلا يجوز أن نقول بتحريم الغناء واستماعه وإباحته على الإطلاق .
بل يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص وأرباب الرياء والإخلاص .]اهـ

- الإمام العلامة محمد السفاريني الحنبلي:

(نقل إبراهيم بن عبدالله القلانسي أن الإمام أحمد رضي الله عنه قال عن الصوفية: لا أعلم أقواما أفضل منهم قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون قال دعوهم يفرحون مع الله ساعة، قيل: فمنهم من يموت ومنهم من يغش عليه فقال : وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ذكره العلامة في الفروع)[55].

-الإمام السيد أبو مدين رضي الله عنه :

يقول رحمه الله تعالى في بعض أبياته:

وقل للذي ينهى عن الوجد أهله إذا لم تذق معنى شراب الهوى دعنا
إذا اهتزت الأرواح شوقا إلى اللقا نعم ترقص الأشباح يا جاهل المعنى
أما تنظر الطير المقفص يا فتى إذا ذكر الأوطان حن إلى المغنى
يفرج بالتغريد ما بفوائده فتضطرب الأعضاء في الحس والمعنى
كذلك أرواح المحبين يا فتى تهزهزها الأشواق للعالم الأسنى
أنلزمها بالصبر وهي مشوقة وهل يستطيع الصبر من شاهد المعنى
فيا حادي العشاق قم واشد قائما وزمزم لنا باسم الحبيب وروحنا

-الإمام الشيخ السنوسي رحمه الله تعالى:

قال الشيخ السنوسي في نصرة الفقير وغيره: (وقد تواتر النقل عن الصوفية قديما وحديثا شرقا وغربا أنهم كانوا يجتمعون لذكر الله ويقومون ويرقصون ولم يبلغنا عن أحد من العلماء المعتبرين [56]أنه أنكر عليهم. وقد رأيت بفاس بزاوية الصقليين جماعة يذكرون ويرقصون من صلاة العصر يوم الجمعة إلى المغرب مع توفر العلماء فلم ينكر أحد عليهم وقد بلغني أن شيخنا شيخ الجماعة سيدي التاودي[57] بن سودة كان يحضر معهم في بعض الأحيان)[58].

-الإمام العلامة الكتاني رحمه الله تعالى:

يقول الإمام الكتاني رحمه الله تعالى في باب رقص الحبشة في المسجد النبوي أمامه عليه الصلاة والسلام ما نصه:

(وقال القاضي عياض[59]: فيه أقوى دليل على إباحة الرقص إذ زاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إقرارهم أن أغراهم ) نقله المواق في سنن المهتدين والونشريسي في المعيار وأقراه.

وقال أيضا: (فإن الرقص الذي أثبته الصوفية ليس قصدهم منه اللهو وحاشاهم من قصد ذلك وإنما قصدهم به الاجتماع على الذكر والإقبال عليه بالقلب والقالب واستغراق الجوارح كلها فيه)[60].

-الإمام ابن ليون التجيبي [61]رحمه الله تعالى:

وقال ابن ليون التجيبي ما نصه : (وأما الرقص في المسجد ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (جاء حبش من الحبشة يزفنون يوم عيدهم في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوضعت كفي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم ) قال ابن عيينة فثبت أن الرقص في أصله مباح ولو كان حراما لذاته ما رقصوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) [62].

-الإمام العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى:

قال العلامة المرحوم محمد أمين عابدين في حاشيته الشهيرة (رد المحتار على الدر المختار):
بعد كلام ما نصه : (وخلاصة ما أجاب به العلامة النحرير ابن كمال باشا بقوله:

ما في التواجد إن حققت من حرجٍ ولا التمايل إن أخلصت من بأس
فقمت تسعى على رجل وحق لمن دعاه مولاه أن يسعى على الراسِ

الرخصة فيما ذكر من الأوضاع عند الذكر والسماع للعارفين الصارفين أوقاتهم إلى أحسن الأعمال السالكين المالكين لضبط أنفسهم عن قبائح الأحوال فهم لا يستمعون إلا من الإله ولا يشتاقون إلا له إن ذكروه ناحوا وإن شكروه باحوا وإن وجدوه صاحوا وإن شهدوه استراحوا وإن سرحوا في حضرة قربه ساحوا إذا غلب عليهم الوجد بغلباته وشربوا من موارد إراداته فمنهم من طرقته بوارق الهيبة فخر وذاب ومنهم من برقت له بوارق اللطف فتحرك وطاب ومنهم من طبع عليه الحب من مطلع القرب فسكر وغاب هذا ما عن لي في الجواب والله أعلم بالصواب[63].

وميز العلامة ابن عابدين في رسالته (شفاء العليل) بين الصوفية الصادقين السائرين على قدم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبين الدخلاء المارقين وندد بالدخلاء على الصوفية واستعرض بدعهم ومنكراتهم في الذكر وحذر منهم ومن الاجتماع بهم ثم قال:

(ولا كلام لنا مع الصدق من ساداتنا الصوفية المبرئين من كل خصلة ردية فقد سئل إمام الطائفتين سيدنا الجنيد: إن أقواما يتواجدون ويتمايلون ؟ فقال: دعوهم مع الله تعالى يفرحون... إلى ان قال: ولا كلام لنا مع من اقتدى بهم وذاق من مشربهم ووجد من نفسه الشوق والهيام في ذات الملك العلام بل كلامنا مع هؤلاء العوام الفسقة اللئام... [64].

- الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى:

قال الشيخ عبد الغني رحمه الله (حديث عليّ صريح بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتحركون حركة شديدة في الذكر فثبت مطلقا إباحة الاهتزاز بهذا الأثر على ان الرجل غير مؤاخذ حين يتحرك ويقوم ويعقد على أي نوع كان حيث لم يأت بمعصية ولم يقصدها).

-الشيخ محمد سعيد البرهاني رحمه الله تعالى:

وقال العلامة المرحوم الشيخ محمد سعيد البرهاني في تعليقاته على الهدية العلائية: (ولا شك أن التواجد هو تكلف الوجد وإظهاره من غير أن يكون له وجد حقيقة ففيه تشبه بأهل الوجد الحقيقي وهو جائز بل مندوب شرعا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم (من تشبه بقوم فهو منهم)[65]. وإنما كان المتشبه بالقوم منهم لأن تشبهه بهم يدل على حبه إياهم ورضاه بأحوالهم وأفعالهم وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم (إن الرجل إذا رضي هدي الرجل وعمله فله مثل عمله)[66]. وذكر النووي رحمه الله تعالى أن في هذا الحديث فضل حب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وحب الصالحين والأحياء والأموات إن لم تكونوا مثلهم فتشبهوا إن التشبه بالكرام فلاح... إلى أن قال: والحاصل أن تكلف الكمال من جملة الكمال والتشبه بالأولياء لمن لم يكن منهم أمر مطلوب مرغوب فيه على كل حال)[67].

الخلاصة

وبعد فهذه الأدلة المستوفية والقاطعة الملزمة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة قولا وفعلا وتقريرا وأخبار الصحابة وأعمالهم رضي الله عنهم وأقوال السادة العلماء سلفا وخلفا كافية شافية لشرح الصدر بالحركة في الذكر هذا وبالإضافة إلى أن الأمر بالذكر مطلق يشمل جميع الأحوال فمن ذكر الله تعالى قائما أو قاعدا متحركا أو ساكنا ماشيا أو واقفا فقد قام بالمطلوب ومن المعلوم أن الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم من مشي تارة وركوب تارة أخرى ودعوة وغزوات والى غير ذلك من أعماله صلى الله عليه وآله وسلم كان يذكر الله فيها ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾[68].

والذي يدعي تحريم الحركة في الذكر أو كراهتها هو المطالب بالدليل لأنه يخصص بعض الحالات المطلقة دون غيرها بحكم خاص وعلى كل حال فإن الغاية من حلقات الذكر هي القيام بنوع من أنواع عبادة الله ألا وهي الذكر الذي استفاضت الأوامر الإلهية به وإن الحركة في ذلك ليست شرطا ولكنها وسيلة للنشاط في تلك العبادة وتشبها بأهل الصفاء والوجد مع خلوص النية:

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح

والحمد لله رب العالمين ]اهـ

هذا وقد أورد بعض أصحاب الطبقات والسير وقوع الرقص والحركة في الذكر من بعض العلماء والفضلاء كما يظهر من الآتي :

- من ترجمة الحافظ الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام للإمام العز بن عبد السلام

[عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن . شيخ الإسلام ، وبقية الأئمة الأعلام ، أبو محمد السلمي ، الدمشقي ، الشافعي . ولد سنة تسعٍ أو ثمانٍ وسبعين وخمسمائة . وتفقه على الإمام فخر الدّين بن عساكر ؛ وقرأ الأصول والعربية . ودرس وأفتى وصنف ، وبرع في المذهب ، وبلغ رتبة الاجتهاد . وقصده الطلبة من البلاد . وانتهت إليه معرفة المذهب ودقائقه ، وتخرج به أئمة . وله التصانيف المفيدة ، والفتاوى السديدة . وكان إماماً ، ناسكاً ، ورعاً ، عابداً أمّاراً بالمعروف ، نهَّاءً عن المنكر ، لا يخاف في الله لومة لائم . وكان علم عصره في العلم ، جامعاً لفنونٍ متعددة ، عارفاً بالأصول والفروع والعربية ، مضافاً إلى ما جبل عليه من ترك التكلف ، مع الصلابة في الدّين. وشهرته تغني عن الإطناب في وصفه . قال الشيخ قطب الدّين: كان رحمه الله ، مع شدته ، فيه حسن محاضرة بالنوادر والأشعار ، وكان يحضر السماع ويرقص ويتواجد ]اهـ مختصرا

- من ترجمة الإمام اليافعي في كتابه مرآة الجنان للإمام العز بن عبد السلام

[وفيها توفي الشيخ الفقيه العلامة الإمام المفتي المدرس القاضي الخطيب سلطان العلماء، وفحل النجباء المقدم في عصره على سائر الأقران، بحر العلوم والمعارف والمعظم في البلدان، ذو التحقيق والإتقان والعرفان والإيقان. المشهود له بمصاحبة العلم والصلاح والجلالة والوجاهة والاحترام الذي أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليه مع الولي الشاذلي بالسلام، مفتي الأنام وشيخ الإسلام،عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام أبي القاسم السلمي الدمشقي الشافعي وبرع في، الفقه والأصول والعربية، ودرس وأفتى حتى قيل: بلغ رتبة الاجتهاد ، وانتهت إليه معرفة المذهب مع الزهد والورع، وقمعه للضلالات والبدع، وقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك مما عنه اشتهر، قالوا:وكان مع صلابته في الدين،وشدته فيه حسن المحاضرة بالنوادر والأشعار يحضر السماع ويرقص.]اهـ مختصرا

- قال القطب اليونيني عن الإمام العز بن عبد السلام في كتابه ذيل مرآة الزمان :

[وكان الشيخ عز الدين رحمه الله مع ما هو عليه من هذه الأوصاف عنده رقة حاشية ويحضر السماع ويرقص ويتواجد]اهـ

- من ترجمة الإمام السيوطي في كتابه حسن المحاضرة للإمام العز بن عبد السلام

[الشيخ عز الدين بن عبد السلام بن عبد العزيز بن أبي القاسم بن حسن بن محمد بن مهذب السلمي أبو محمد. شيخ الإسلام، سلطان العلماء. قال الذهبي في العبر: انتهت إليه معرفة المذهب، مع الزهد والورع، وبلغ رتبة الاجتهاد، وقدم مصر، فأقام بها أكثر من عشرين سنة؛ ناشرا العلم، آمرا بالمعروف، ناهيا للمنكر، يغلظ على الملوك فمن دونهم. ولما دخل مصر بالغ الشيخ زكي الدين المنذري في الأدب معه، وامتنع من الإفتاء لأجله، وقال: كنا نفتي قبل حضوره، وأما بعد حضوره فمنصب الفتيا متعين فيه. وألقى التفسير بمصر دروسا. وهو أول من فعل ذلك. له كرامات كثيرة، ولبس خرقة التصوف من الشهاب السهروردي. وكان يحضر عند الشيخ أبي الحسن الشاذلي ويسمع كلامه في الحقيقة ، ويعظمه . وقال الشيخ أبي الحسن الشاذلي : قيل لي: ما على وجه الأرض مجلس في الفقه أبهى من مجلس الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وما على وجه الأرض مجلس في الحديث أبهى من مجلس الشيخ زكي الدين عبد العظيم، وما على وجه الأرض مجلس في علم الحقائق أبهى من مجلسك! وقال ابن كثير في تاريخه: انتهت إليه رياسة المذهب، وقصد بالفتاوي من الآفاق، ثم كان في آخر عمره لا يتقيد بالمذهب، بل اتسع نطاقه، وأفتى بما أدى إليه اجتهاده. وقال تلميذه ابن دقيق العيد: كان ابن عبد السلام أحد سلاطين العلماء. وقال الشيخ جمال الدين بن الحاجب: ابن عبد السلام أفقه من الغزالي. وحكى القاضي عز الدين البكاري أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أفتى مرة بشيء، ثم ظهر له أنه أخطأ، فنادى في مصر والقاهرة على نفسه: من أفتى له ابن عبد السلام بكذا، فلا يعمل به، فإنه خطأ. قال القطب اليونيني: وكان مع شدته وصلابته حسن المحاضرة بالنوادر والأشعار، يحضر السماع ويرقص فيه.]اهـ

- وقال الحافظ الذهبي في ترجمة السلطان أبو سعيد كوكبري في سير أعلام النبلاء

[وكان يدور على مرضى البيمارستان، وله دار مضيف ينزلها كل وارد، ويعطى كل ما ينبغي له.
وبنى مدرسة للشافعية والحنفية وكان يمد بها السماط، ويحضر السماع كثيرا، لم يكن له لذة في شئ غيره.

وكان يمنع من دخول منكر بلده، وبنى للصوفية رباطين، وكان ينزل إليهم لأجل السماعات.]اهـ

- وقال الحافظ ابن كثير في ترجمته في البداية والنهاية :

[وكان مع ذلك شهما شجاعا فاتكا بطلا عاقلا عالما عادلا رحمه الله وأكرم مثواه.
وقد صنف الشيخ أبو الخطاب ابن دحية له مجلدا في المولد النبوي سماه: " التنوير في مولد البشير النذير "، فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدته في الملك في زمان الدولة الصلاحية، وقد كان محاصر عكا وإلى هذه السنة محمود السيرة والسريرة، قال السبط: حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى، قال: وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم ويعمل للصوفية سماعا من الظهر إلى الفجر، ويرقص بنفسه معهم ]اهـ

أولا : المصادر.

- الموسوعة اليوسفية . لفضيلة الشيخ يوسف خطار.
- كشف الرموز . للإمام عز الدين بن عبد السلام .
- تاريخ الإسلام . للحافظ الذهبي .
- سير أعلام النبلاء . للحافظ الذهبي .
- مرآة الجنان . للإمام اليافعي .
- ذيل مرآة الزمان للقطب اليونيني .
- حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة . للإمام السيوطي .
- الحاوي للفتاوي . للإمام السيوطي .
- البداية والنهاية . للحافظ ابن كثير .
- حقيقة التوسل والوسيلة على ضوء الكتاب والسنة . لفضيلة الشيخ موسى محمد على .

ثانيا : الهوامش .

[1] سورة الفرقان الآية (44).
[2] سورة الأعراف الآية(172).
[3] تنبيه الفكر إلى حقيقة الذكر ص (51).
[4] سورة الحديد الآية (16).
[5] أخرجه مطولا ومختصرا مالك (2/889) في الجامع والبخاري (2889) و (2893) و (3367) و (6363) و (7333) ومسلم (1393) وأحمد (3/140 -149) والترمذي (3922) وابن ماجه (3115) وعبد الرزاق (17170).
[6] سورة القيامة الآية (14).
[7] تنبيه الفكر ص (57).
[8] سورة الحجرات الآية (12).
[9] سورة آل عمران الآية (191).
[10] تفسير الآلوسي الكبير روح المع8اني (4/140).
[11] التراتيب الإدارية للعلامة عبد الحي الكتاني (2/143).
[12] سورة النساء الآية (103).
[13] أخرجه مسلم (824) وأبو داود (18) وابن ماجه (302) وأحمد (6/70) وابن خزيمة (207) وأبو يعلى (4699) والبيهقي (1/90) وأبو عوانة (1/217) والبغوي (274) والبخاري (1/407) تعليقا وابن حبان (802) وقال : (قول عائشة يذكر الله على كل أحيانه أرادت به أن الذكر هو غير القرآن ).
[14] تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن (4/310 و 311).
[15] فالاستدلال بعموم الآية الأولى والثانية التي تنص على جواز ذكر الله تعالى قياما وقعودا وعلى جنوبهم المراد من ذلك أنهم يذكرون الله على كل الأحيان والحالات كما ورد ذلك في حديث السيدة عائشة رضي الله عنها كان يذكر الله على كل أحيانه وهذا من باب إطلاق النصوص وعموماتها ولم يوجد نص آخر يخصص هذا العموم أو يقيد هذا الإطلاق فيعمل بالمطلق على إطلاقه وبالعام على عمومه حتى يريد نص يخصصه فإذا لم يرد نص يخصصه لا يجوز إخراج فرد من أفراد مدلوله إلا بدليل وإخراج فرد من أفراده بدون دليل تحكم وتهجم على كتاب الله تعالى وتخصيص له بالرأي دون دليل.
[16] سورة القمر الآيات (45 -46).
[17] أخرجه البخاري (3953) وفي تفسير ابن كثير (2/266) وأحمد (1/329).
[18] أخرجه البخاري (949) ومسلم (2062).
[19] أخرجه الإمام أحمد (3/152) وابن حبان (5870) وإسناده صحيح.
[20] فتح الباري (2/444).
[21] التراتيب الإدارية (2/144 و 145) وهو كلام الإمام الغزالي في الإحياء.
[22] التراتيب الإدارية (2/143).
[23] المواق: هو محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي أبو عبدالله المواق فقيه مالكي وكان عالم غرناطة وإمامها وصالحها في وقته . توفى عام (897هـ).
[24] الونشريسي هو أحمد بن يحيى بن محمد الونشريسي التلمساني أبو العباس فقيه مالكي.
[25] التراتيب الإدارية (2/143).
[26] أخرجه مسلم في صحيحه (2063).
[27] شرح صحيح مسلم للنووي (6/486) (425 -426).
[28] إحياء علوم الدين (2/304).
[29] أخرجه مسلم في صحيحه (6749) وأحمد (2/411) (2/323) كما في صحيح ابن حبان (858) والحاكم (1/495) والبيهقي في شعب الإيمان (1/314) والطبراني في الأوسط (2794).
[30] أخرجه الترمذي (3596) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (16759).
[31] وقد يقول قائل: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والتابعين لم يفعلوا ذلك وعد فعلهم دليل على عدم جوازه والجواب على ذلك انه قد مر إثبات جواز ذلك بالكتاب والسنة قولا في حديث الحبشة لأنه عليه الصلاة والسلام أغرهم وقال (دونكم يا بني أرفدة) وفعلا في حديث عائشة: (كان يذكر الله على كل أحيانه) وإقرارا في حديث الحبشة وحجل سيدنا علي وجعفر وزيد ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم كانوا منصرفين للجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الإسلام والفتوح ولم يكن وقتهم متسعا لفعل كل مفردات هذه الكليات فيكفي أنهم فعلوا بعضها وأقروا بعضها وجاء ذكر عمومها في القرآن الكريم.
[32] مر تخريجه في الباب نفسه.
[33] أخرجه أحمد (3/68) وابن حبان (817) والحاكم (1/499) وصححه ووافقه الذهبي كما في كشف الخفاء (1/187) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (16761) وأخرجه ابن عدي في الكامل (3/980) وابن السني (4) وعبد بن حميد (925).
[34] أخرجه أحمد (1/108) و (1/98).
[35] التراتيب الإدارية (2/149).
[36] فتح الباري (7/504).
[37]السيرة النبوية والآثار المحمدية لزيني دحلان على هامش السيرة الحلبية (2/252).
[38] التراتيب الإدارية (2/141).
[39] كذا في البداية والنهاية لابن كثير (8/6) وأخرجه أبو نعيم في الحيلة (1/76) وابن عساكر في الكنز (8/219) كما في حياة الصحابة (1/49).
[40] أخرجه البخاري (6507) ومسلم (6761) والترمذي (2307) والنسائي (1837).
[41] أخرجه البيهقي في الحدي والسبعين من الشعب ، بإسناد حسن إلى الحسن البصري رفعه مرسلا وهو أبي نعيم في مكايد الشيطان له عن مالك بن دينار وقيل إنه من قول جندب البحلي.
[42] البون: البعد (مختار).
[43] رواه البخاري (6168) ورواه مسلم (2640) عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكره أبو داود (5127) والترمذي (3535) بروايات مختلفة وزيادات عن أنس وأبي موسى وأبي ذر وصفوان بن عسال.
[44] السيف القاطع للسيوطي والإلهامات الإلهية للشيخ محمود أبي الشامات.
[45] حقيقة الصوفية ص (108 - 109).
[46] هو عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكتاني العسقلاني الأصل ثم البلقيني المصري الشافعي أبو حفص سراج الدين،
[47] سورة آل عمران الآية (191).
[48] تقدم تخرجيه في هذا الباب (178).
[49] تقدم تخرجيه في هذا الباب (182).
[50] الحاوي للفتاوى (7/128).
[51] شمس الدين الرملي (919 – 1004هـ) محمد بن أحمد بن حمزة شمس الدين الرملي فقيه الديار المصرية في عصره ومرجعها في الفتوى يقال له : الشافعي الصغير ومولده ووفاته بالقاهرة ولي إفتاء الشافعية وجمع فتاوى أبيه وصنف شروحا وحواشي كثيرة.
[52] يفسر التكسر بالتثني : وهو أن المرأة من عادتها إذا مشت في بيتها وأمام زوجها أن تنثنى يمينا ويسارا لأجل أن تلفت نظر زوجها إليها بحركاتها كما تلفت نظره إليها بجمالها وبلباسها.
[53] نهاية المحتاج في شرح المنهاج للرملي (8/282، 283).
[54] روضة الطالبين للإمام النووي (11/229).
[55] غذاء الألباب لمحمد السفاريني (1/129).
[56] بل لو استقرأنا تراجم العلماء منذ نشأة التصوف إلى الآن لوجدنا أكثرهم أو كلهم قد اتخذ مبدأ التصوف وعمل به وألف فيه وكان من أئمته ولا يعتبر من شذ لعدم اطلاعه أو لعناده وجهله.
[57] هو محمد بن الطالب بن علي بن سودة التاودي (1111 – 1209هـ) المري الفاسي فقيه المالكية في عصره وشيخ الجماعة بفاس ذات شهرته بعد رحلة قام بها إلى مصر والحجاز.
[58] الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية ص (282 - 283).
[59] القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي أبو الفضل عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته كان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم ولي قضاء سبته ومولده فيها ثم قضاء غرناطة وتوفي بمراكش عام (544هـ).
[60] التراتيب الإدارية (2/141 و143).
[61] هو سعيد بن أحمد بن ليون التجيبي أبو عثمان فقيه مالكي من علماء الأندلس وأدبائها المتقدمين له أكثر من مئة مصنف توفي نحو عام (750).
[62] الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية ص(282).
[63] حاشية الدر المختار لابن عابدين (3/259).
[64] مجموعة رسائل ابن عابدين – الرسالة السابقة- شفاء العليل وبل الغليل لخاتمة محققي الحنفية ابن عابدين رحمه الله تعالى ص (172 ، 173).
[65] أخرجه الطبراني في الأوسط (8323).
[66] أخرجه الطبراني في الكبير (17/922).
[67] هامش الهدية العلائية ص (233 و 234) باختصار.
[68] سورة الحشر الآية (7).[/align]
[/font]

_________________
رضينا يا بني الزهرا رضينا
بحبٍ فيكمو يرضي نبينــــا



يَا رَبِّ

إِن كَانَ لاَ يَرجُوكَ إِلاَّ مُحسِــــنٌ
فَمَن الَّذِى يَدعُو وَيرجو المُجرِمُ


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأحد يونيو 08, 2008 2:08 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد فبراير 22, 2004 1:22 pm
مشاركات: 371
[web]http://www.dar-alifta.org/ViewFatwa.aspx?ID=5179&text=5179[/web]


دار الأفتاء المصرية
الرقـم المسلسل 5179
الموضوع مظاهر الاحتفال بالمولد والحركة في الذكر
التاريخ 02/04/2007

الســــؤال

اطلعنا على الطلب المقيد برقم 489 لسنة 2007م المتضمن :
ادعى بعض خطباء الجمع ببلدتنا أن :
1- الاحتفال بالمولد النبوي غير مشروع.
2- السير بالموكب وحمل الأعلام والضرب بالدفِّ من أجل المولد غير مشروع.
3- عمل ليلة احتفالية بالمولد غير مشروع.
4- شراء الحلوى وإهدائها لمناسبة المولد غير مشروع.
5- الوقوف في حلقات الذكر والتمايل فيها غير مشروع.
6- إطلاق لقب "سيدي" على الأولياء غير مشروع. فما حكم ذلك؟



الـجـــواب

أمانة الفتوى



الاحتفال بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعد من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنه تعبير عن الفرح والحب له صلى الله عليه وآله وسلم، ومحبته أصل من أصول الإيمان، وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ". رواه البخاري .
والمراد من الاحتفال المشروع بذكرى المولد النبوي هو تجمع الناس على الذِّكْر، والإنشاد في مدحه والثناء عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وإطعام الطعام صدقة لله، إعلانًا لمحبة سيد الخلائق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإعلانًا بالفرح بيوم مجيئه الكريم إلى دنيانا صلى الله عليه وآله وسلم . والاحتفال بمولده صلى الله عليه وآله وسلم هو من قبيل الاحتفاء به، والاحتفاء به صلى الله عليه وآله وسلم أمر مقطوع بمشروعيته؛ فهو النعمة الكبرى على العالم، وشكر النعم مطلوب محمود لا يلام فاعله بل يحمد ويشكر. وقد سن لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه الشريفة جنس الشكر لله تعالى على ميلاده الشريف، فقد صح أنه كان يصوم يوم الاثنين ويقول : "ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ" رواه مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه ، فهو شكر منه عليه الصلاة والسلام على منة الله تعالى عليه وعلى الأمة بذاته الشريفة ، فالأولى بالأمـة الائتسـاء به صلى الله عليه وآله وسلم بشكر الله تعالى على منته ومنحته المصطفوية بكل أنواع الشكر. والاحتفال بيوم المولد بما ذكرنا مما درج عليه سلفنا الصالح منذ القرن الرابع والخامس، ونص على مشروعيته غير واحد من الأئمة والعلماء في مصنفات مستقلة أو ثنايا كتبهم، منهم: أبو شامة المقدسي شيخ الإمام النووي، وابن الحاج في المدخل، والحافظ ابن حجر شارح البخاري، والجلال السيوطي في رسالة مستقلة سماها "حسن المقصد في عمل المولد". وقد نقل الصالحي في ديوانه الحافل في السيرة النبوية "سبل الهدى والرشاد في هدْي خير العباد" عن بعض الصالحين: أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منامه، فشكى إليه أن بعض الناس يقول ببدعية الاحتفال بالمولد الشريف، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من فرِح بنا فَرِحْنا به" ، والرؤيا وإن كان لا يثبت بها حكم شرعي إلا أنها يُسْتَشهَد بها فيما وافق أصول الشرع الشريف.
وما اعتاده الناس من شراء الحلوى والتهادي بها، فهو أمر مباح في ذاته، لم يقم دليل على المنع منه أو إباحته في وقت دون وقت، لا سيما إذا انضم إلى ذلك مقصد صالح كإدخال السرور على أهل البيت أو صلة الأرحام، فإنه يكون حينئذ أمرًا مستحبًا ومطلوبًا يثيب الشرع على مثله، والقول بتحريمه أو المنع منه ضرب من التنطع المذموم. وأما ما جرى عليه العمل في بعض الأنحاء من عمل موكب يسير فيه المحتفلون بالمولد حاملين رايات التي يُنْتَقَش عليها بعض الشعارات الدينية، ويتغنون فيها بالمدائح النبوية والقصائد الزهدية فلا حرج فيه طالما خلا عما ينافي الشرع من الاختلاط المذموم ونحوه.
وإذا كان الضرب بالدف فى إعلان النكاح أمر أجازه الشرع من باب إظهار الفرح بالنكاح، وفيه حديث الترمذي: "أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاح، واِجْعَلُوه في المَسَاجِد، واِضْرِبُوا عَلَيْه بالدَُفُوف"، فاستعمال الدف لإظهار الفرح بمولد خير الأنام أولى وأحرى، وجواز ذلك كله مشروط بمراعاة الأدب المطلوب شرعًا في مثل هذا المقام. وأما بخصوص الوقوف في حلقات الذكر والتمايل في أثنائه، فنقول: إن الله تعالى طلب الذكر من المسلمين مطلقًا فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41]، وقال مادحًا عباده المؤمنين: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191]، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت" رواه البخاري، وروى الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه أن رجلا قال: "يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله"، فالحث على الذكر جاء على لسان الشرع الشريف مطلقًا، فالأصل أنه لا يقيد بحال دون حال أو بوقت دون وقت. ولما كان الشرع لم ينه عن الوقوف أو الحركة أثناء الذكر، كان ذلك على الأصل من الإباحة، طالما التزم الذاكر السكينة والوقار أثناء الحركة، ولم يأت بما يتنافى والأدب المطلوب مع حضرة الله تعالى أثناء الذكر، وكان على مدَّعي المنع أوالتحريم إقامة الدليل على دعواه التي تخالف الأصل.
ويتأكد الجواز إذا كانت الحركة قد صدرت عن الذاكر قهرًا وغلبة، كأن يندمج في الذكر فيصيبه حال من الوجد، فتصدر منه الحركة دون قصد لها، كما قال الشاعر:
وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر
وقد روى الحافظ أبو نعيم في الحلية عن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال في وصف الصحابة رضي الله عنهم: "إذا ذكر الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح فانهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم يومًا"، وهذا الأثر صريح في أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتحركون حركة شديدة في الذكر.
وقال العلامة ابن كمال باشا من علماء الحنفية لمَّا استفتي عن هذه المسألة:
ما في التواجد إن حققتَ من حرج ولا التمايل إن أخلصتَ من باس
فقمتَ تسعى على رِجْلٍ وَحُقَّ لمن دعاه مولاه أن يسعى على الراس
والخلاصة أنه طالما انضبط الذكر بالأدب، وعدم تحريف ألفاظ الذكر بما يفسد معناها فلا يظهر معنى في المنع . أما بخصوص إطلاق السيادة فإن كان المسوَّد هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن ذلك مشروع مطلوب بإجماع المسلمين، وقد أخبر عن نفسه الشريفة بذلك فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ » وفي رواية « أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ » متفق عليه ، وأمرنا الله سبحانه وتعالى بتوقيره وتعظيمه فقال: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفتح: 9] ومن توقيره تسويدُه، كما قال قتادةُ والسُّدِّيُ: "وتوقروه": وتُسَوِّدُوهُ. وأما إطلاق السيادة على غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المخلوقين فهو كذلك أمر مشروع بنص الكتاب والسنة وفعل الأمة خلفًا عن سلفٍ من غير نكير. قال تعالى عن سيدنا يحيى عليه السلام: {فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى المِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًا مِّنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39] قال الإمام القرطبي : "ففيه دلالة على جواز تسمية الإنسان سيدًا، كما يجوز أن يُسمَّى عزيزًا أو كريمًا" اهـ.
وأما السنة : فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شأن الحسن والحسين عليهما السلام: "الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ" أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه البخاري في شأن الحسن بن علي عليهما السلام: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ". وقوله صلى الله عليه وآله وسلم عن سعد بن معاذ رضي الله عنه -مخاطبًا الصحابة الكرام-: "قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ" أخرجه البخاري. وأما فعل الأمة: فمنه قول عمر رضي الله عنه عن أبي بكر الصديق وبلال رضي الله عنهما: "أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا" أخرجه البخاري. والنقول في مثل هذا كثيرة سمعها الصحابة من غير نكير ولا معارضة، فكان ذلك بمثابة الإجماع السكوتي منهم على مشروعيتها، وهو حجة كما تقرر في الأصول. وعليه فإن إطلاق السيادة على أهل البيت وأولياء الله الصالحين أمر مشروع، بل هو مطلوب شرعًا لما فيه من حسن الأدب معهم والتوقير والإجلال لهم، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ" رواه أحمد والحاكم وصححه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه. والله تعالى أعلم.

تمت الإجابة بتاريخ 12/4/2007


=========================================

_________________
صورة


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: الحركة في الذكر ومشروعيتها
مشاركة غير مقروءةمرسل: الثلاثاء سبتمبر 04, 2012 1:31 am 
غير متصل

اشترك في: الجمعة إبريل 28, 2006 11:18 pm
مشاركات: 3856
مكان: الديار المحروسة
جزاكم الله كل خير وافادكم الله وانعم عليكم من بحر فيوض العلم

_________________
صورة


أنا الذى سمتنى أمى حيدره

كليث غابات كريه المنظره

أوفيهم بالصاع كيل السندره


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: الحركة في الذكر ومشروعيتها
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين سبتمبر 17, 2012 6:46 am 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2005 12:40 am
مشاركات: 12353
مكان: مصـــــر المحروســـة

وجزاكم الله خيراً أخي الحبيب / ابن الزهراء .

وبارك الله فيك.


_________________
رضينا يا بني الزهرا رضينا
بحبٍ فيكمو يرضي نبينــــا



يَا رَبِّ

إِن كَانَ لاَ يَرجُوكَ إِلاَّ مُحسِــــنٌ
فَمَن الَّذِى يَدعُو وَيرجو المُجرِمُ


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 4 مشاركة ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
cron
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط