موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 38 مشاركة ]  الانتقال إلى صفحة السابق  1, 2, 3  التالي
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس أكتوبر 23, 2008 1:24 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
13‏ ــ الطريق إلي الله

أوقفني في الموت فرأيت الأعمال كلها سيئات‏,‏ ورأيت الخوف يتحكم علي الرجاء‏,‏ ورأيت الغني قد صار نارا‏,‏ ورأيت الفقر خصما يحتج‏,‏ ورأيت كل شيء لا يقدر علي شيء‏,‏ ورأيت الملكوت خداعا‏,‏ وناديت يا علم فلم يجبني‏,‏ وناديت يا معرفة فلم تجبني‏,‏ ورأيت كل شيء قد أسلمني‏,‏ ورأيت كل خليقة قد هرب مني‏,‏ وبقيت وحدي‏,‏ وجاءني العمل فرأيت فيه الوهم الخفي‏.‏

فما نفعني إلا رحمة ربي‏,‏ وقال لي أين عملك فرأيت النار‏,‏ وقال لي أين معرفتك فرأيت النار‏,‏ وكشف لي عن معارفه الفردانية فخمدت النار‏.‏

وقال لي‏:‏ أنا وليك‏..‏ فثبت‏,‏ وقال لي‏:‏ أنا معرفتك‏..‏ فنطقت‏,‏ وقال لي‏:‏ أنا طالبك‏..‏ فخرجت‏..(‏ النفري‏).‏

خرجت من رحم الأم إلي سطح الأرض‏,‏ ولدت والفجر يوشك علي الأذان والمؤذن يبتهل بقوله‏:‏ يا أرحم الراحمين ارحمنا‏.‏

أخيرا وصلت إلي الدنيا‏.‏
حمل ميلادي فرحة عارمة للأسرة‏,‏ كنت أول عطاء من الله لهما في الذرية‏,‏ مات قبلي شقيق وهو في بطن أمي‏,‏ وكان وجوده سيؤدي إلي وفاة الأم‏,‏ واختارت العائلة بقاء الأم‏,‏ وهكذا ولدت بعد يأس ومخاوف‏,‏ ولكنني عوضت هذه المخاوف بولادة سهلة للغاية‏,‏ ويبدو أن رغبتي في القدوم إلي الدنيا غلبت علي‏,‏ فلم أكد أصدق انفراج باب الرحم حتي سارعت بالنزول‏.‏
كانت جدتي لأمي هي أول من تلقاني من الأرض‏,‏ وكانت أول من لفني في الثياب‏.‏
بكيت قليلا شأن كل الأطفال‏,‏ ولم أكن أبكي لسبب‏.‏

كنت أريد أن أسمع صوتي‏.‏
لقد ظللت قرونا كاملة صامتا لا أتكلم‏,‏ ولا أكتب‏,‏ ولا أري‏,‏ ولا أسمع‏..‏ أخيرا دبت في الحياة‏.‏
كنت أبكي وكانوا يضحكون‏..‏ أخيرا رزقنا الله بولد‏.‏


يتبع بمشيئة الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس أكتوبر 23, 2008 1:26 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
14‏ ــ الطريق إلي الله

أوقفني في الكون‏..‏

وقال لي‏:‏ أنت معني الكون كله‏.‏

وقال لي‏:‏ أريد أن أخبرك عني بلا أثر سواي‏.‏

وقال لي‏:‏ الحقيقة وصف الحق‏,‏والحق أنا‏.‏

وقال لي‏:‏ هذه عبارتي وأنت تكتب فكيف وأنت لا تكتب؟‏(‏ النفري‏).‏

ولدت لا أعرف الكتابة ولا القراءة ولا الكلام‏,‏ ولكنني ولدت أعرف الله‏..‏ وأعرف ملايين الأسرار ولكنني أطبق فمي علي الصمت‏.‏

أكتشفت بعد أن ولدت أن سر مجيئي هو الأحلام‏,‏ كانت أمي تحلم بي قبل أن أولد‏,‏ وقد بلغت ثقتها في أحلامها أنها صنعت ملابسي علي أحدث طراز لملابس الأطفال في ذلك العصر‏,‏ وكان أبي يحلم بي قبل أن أولد‏,‏ كان يريد ابنا يعمل في القضاء‏,‏ أما أمي فكانت تريد طبيبا شهيرا‏,‏ أما جدي فكان يريدني لمجرد أنه يريدني‏,‏ وكذلك فعلت جدتي‏.‏

لم يكن أي واحد منهما يحلم لي بعمل معين‏,‏ كانا يدركان أنهما لن يعيشا ليريا هذا الأمل البعيد‏,‏ ولذلك اكتفيا بحلم بسيط هو أنا‏,‏ وكان كل واحد حولي يعلق علي آمالا معينة ويحلم لي أحلاما معينة‏.‏

أما أنا‏..‏ فكانت كل مشكلاتي أنني أريدهم أن يصمتوا قليلا‏,‏ وأريد أن أعرف اسمي‏...‏ اقترحت عشرات الأسماء‏,‏ وتداول أصحاب الاقتراحات أيها أقرب إلي السمع وألطف علي الأذن‏.‏

ثم حسمت أمي الموقف كعادتها حين تحسم الأمور‏.‏

قالت‏:‏ لقد نذرت لله إن عاش أن أسميه علي اسم سيدي أحمد البدوي‏,‏ اسمه أحمد‏.‏

وعرفت أخيرا أنني أنتسب بالاسم لسيدي أحمد البدوي‏,‏ وحمدت الله علي سلامة الاختيار‏,‏ وخير الأسماء ما حمد وعبد‏.‏

تعرفت إلي أمي بعد أن أفاقت‏,‏ لم يكن بوسعي أن أقاوم حبها وهي تفيض علي من حنانها كل هذا القدر‏,‏ ووقعت في حبها من النظرة الأولي‏,‏ وتأكد هذا الحب بعد الرضعة الأولي‏.‏

وهكذا تعرفت علي أول حواء لي في الأرض‏.‏

يتبع بمشيئة الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس أكتوبر 23, 2008 1:29 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
15‏ ــ الطريق إلي الله

حواء هي السكن
وحواء هي المودة والرحمة
بالنسبة لي كان أول سكن هو صدر الأم‏,‏ وكانت أول مودة ورحمة تصدر من الأم‏.‏

يمكث النوع البشري تسعة أشهر في بطن أمه‏,‏ ثم يمكث معتمدا علي الرضاعة عامين أو أكثر‏,‏ وهذا كله سكن عميق‏.‏

وقد سكنت في أحضان أمي كل هذه الفترة‏..‏ وهذه هي أول جنة يعيشها الإنسان علي الأرض‏..‏ وأحيانا تكون هي الجنة الوحيدة‏.‏

في الرضاعة يستوي الأطفال جميعا في الطيبة والبراءة والدهشة والوداعة‏,‏ لا شرور هنا ولاخداع ولا وجود لأبليس‏..‏ نحن في جنة البراءة‏..‏ مرة أخري يراود الذهن حلم الجنة‏.‏

يتحقق هذا الحلم في الطفولة الأولي‏..‏ حيث يحس الأطفال عادة أكثر مما يعرفون‏,‏ وحيث يحدسون الأشياء حدسا قبل أن يبدءوا تمييزها‏,‏ وحيث يتلمسون طريقهم الي الثدي فيلتقمونه وعيونهم مغمضة‏.‏

تأمل أطفال الآدميين حين يرضعون‏..‏ تأمل كيف يحدقون في هدوء وثبات بعيدا عن الثدي وهم يرضعون‏.‏ كأنما يحيون حياتين في آن واحد‏,‏ ورغم أنهم يمتصون الغذاء مباشرة من جسد الأم‏,‏ فإنهم لايزالون روحيا يستطيبون ذكريات غير أرضية‏..‏ ومازالت عيونهم تحدق بعيدا في اتجاه هذه الذكريات‏.‏

أي ذكريات لهذه الحقبة القديمة‏..‏ إن الطائر يحلق في السماء وظله يجري علي الأرض مرفرفا كأنه طائر‏,‏ والطفل ببراءته يسعي لصيد ذلك الظل‏,‏ ينطلق وراءه وهو يعدو حتي تخور قواه‏.‏

لايدري الطفل أنه يطارد ظلا لطائر في الجو‏,‏ ولايعلم أين أصل هذا الظل‏..‏ هذه ذكرياتي عن فترة الرضاعة‏.‏

لا أذكر منها شيئا محددا بالذات‏..‏ تماما مثلما لا أذكر من الجنة السابقة شيئا محددا بالذات‏..‏ إحساسي بهذه الفترة يشبه إحساس رجل يسمع صوتا ولا يري شفتين‏ .

يتبع بمشيئة الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين أكتوبر 27, 2008 3:37 am 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
‏16‏ ـ الطريق إلي الله

كيف يخرج من قلب الانسان شغله الأول؟ وكيف يفترق عن فؤاده أول حب؟

لقد كنت أنا أيضا من سكاري هذا الخمر‏,‏ وكنت في حضرته من العشاق‏.‏

وإنني قد استقبلت الحياة علي محبته‏,‏ كما أن عشقه كان قد غرس في روحي‏.‏

ولقد لقيت من الزمان أياما طيبة‏,‏ كما أنني احتسيت مياه الرحمة إبان ربيعي‏.‏

ألم تكن يد فضله هي التي غرستني؟ أليس هو الذي أخرجني من العدم؟

وما أكثر ماكنت قد شهدت من ألطافه‏,‏ ولكم تجولت في بساتين رضاه‏.‏

إنه كان يضع فوق رأسي يد رحمته‏,‏ وكم كان يفيض ينابيع اللطف مني‏.‏

وفي وقت طفولتي‏,‏ حينما كنت رضيعا‏,‏ من ذا الذي كان يهز مهدي؟‏..‏ إنه هو‏.‏

وهل كان لي حليب أحتسيه غير حليبه؟ ومن الذي رعاني غير تدبيره؟

وكيف يمكن أن تنفصل عن المرء تلك الخليقة التي دخلت كيانه مع الحليب‏(‏ جلال الدين الرومي ـ المثنوي المعنوي‏)‏

سمعت هذه الكلمات من صمت امي خلال فترة الرضاعة‏.‏

كانت فترة رائعة‏..‏ ولدت في الفجر‏,‏ وتحدثني امي أنني كنت أرضع مرة واحدة كالكلاب‏..‏ ثم أنام طوال الليل علي جنب واحد‏,‏ أي حمق كنت أمارسه في الطفولة الاولي‏.‏

لابأس‏..‏ سوف أنتقم عندما أكبر وأسهر كل ليلة حتي الفجر‏..‏ إما جالسا في الشرفة أحاول عبثا عد نجوم السماء‏,‏ أو مقلبا في الأوراق الصفراء للكتب القديمة التي تتحدث عن رحلات السندباد‏,‏ أومقلبا بعد ذلك في الكتب التي تبحث عن الحقيقة‏.‏

لكنني أعترف بأنني وقعت أسير عشق مولانا جلال الدين الرومي منذ فترة الرضاعة‏..‏ أكان الرومي يغافل أمي ويهدهد فراشي بهذه الكلمات‏..‏ أم كانت الكلمات حقا غناء يشيع في الجود‏,‏ وكل مافعله الرومي انه اشترك مع الجوقة في الغناء؟

يتبع بمشيئة الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين أكتوبر 27, 2008 3:38 am 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
‏17‏ ـ الطريق إلي الله

كانت أمي سيدة مدهشة‏..‏ وكانت أما عظيمة بنفس المقدار

كانت سيدة من أصحاب التقاليد

وكانت لها تقاليد في كل شيء‏..‏ في الأثاث والطعام والحديث والتعبير عن المشاعر والجلوس وكل شيء

وقد فكرت أمي في الاحتفال بعيد ميلادي بأربعة أشهر‏..‏ وقد حدثوها أن الناس تحتفل بأعياد الميلاد بعد سنة لا أربعة أشهر‏,‏ ولكنها أصرت وهكذا حملتني إلي أكبر مصور في ذلك العصر‏,‏ والتقطت لي صورة تذكارية‏..‏

كان عمري‏16‏ أسبوعا‏,‏ ولم أكن أستطيع أن أقف أو أجلس‏,‏ وهكذا تقرر أن تلتقط الصورة وأنا نائم‏,‏ وكان من تقاليد هذه الصور أن تلتقط للزبائن وهم عراة كما ولدتهم أمهاتهم‏..‏ وهكذا خلعت أمي ملابسي وأنا في الشهر الرابع وأرقدتني علي صدري بلا حول ولاقوة‏..‏ ومدت يدها وأمسكت بي‏,‏ وبقيت مشكلة أن انظر الي العدسة بغير أن أطرف‏,‏ ووقف ابي عند عدسة التصوير وراح يقوم بحركات وأصوات هدفها لفت انتباهي‏..‏ أخيرا نظرت‏..‏ ولمع الضوء وتجمد المنظر في صورة تذكارية‏.‏

يحلو لي كثيرا هذه الأيام أن أتامل هذه الصورة‏,‏ إن البراءة التي يعكسها الوجه أمر يؤكد أنني كنت أعيش في الجنة‏.‏

تأملت يدي في الصوره‏..‏ كانت صغيرة وناعمة وتحاول القبض علي الهواء‏.‏

كيف تحول هذا الوجه البريء إلي تجاعيد الزمن وأحزان الكهولة؟‏..‏ كيف تحول الشعر الحريري إلي أسلاك بيضاء؟‏..‏ كيف استطعت أن أحدق في العدسة دون أن أطرف؟

موقف لاتطرف‏(‏ النفري‏)‏

قال لي‏:‏ انظر ولاتطرف يكن ذلك أول جهادك في موقف العهد

أوقفني في العهد وقال لي‏:‏ اطرح ذنبك علي عفوي وألق حسنتك علي فضلي‏,‏ وقال لي‏:‏ اترك علمك علي علمي تقتبس نور الهداية‏..‏ والق معرفتك الي معرفتي تثبت الهداية‏.‏

وقال لي‏:‏ إذا وقفت بي تعرض لك كل شيء ليدفعك عني‏.‏

وقال لي‏:‏ إنما تأخذ أجرك ممن أصبحت له أجيرا

وقال لي‏:‏ إن عملت لي من أجلي فذاك لي‏..‏ وإن عملت لي من أجل غيري فذاك لغيري‏

يتبع بمشيئة الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين أكتوبر 27, 2008 3:39 am 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
‏18‏ ـ الطريق إلي الله

مرت ثلاث ثوان‏..‏
صار عمري ثلاث سنوات‏.‏

لا أذكر من طفولتي المبكرة كلها غير مشهد واحد‏.‏
وأذكره مثل حلم غارق في الضباب‏.‏

شاطئ بحر طويل لعله الإسكندرية‏..‏ عربة أطفال يجلس فيها طفل يرتدي رداء من الصوف المشغول من رأسه إلي قدميه‏..‏ والدنيا نهاية شتاء أو بداية شتاء‏..‏ أمي تقف وراء العربة وتدفعها إلي البحر‏..‏ هذا كل ما أذكره من طفولتي الأولي‏..‏ ولا أعرف لماذا لم تحتفظ ذاكرتي بغير هذا المشهد‏..‏ إن الصورة جزء من عالمي الداخلي‏..‏ وأذكر أنني سألت أمي مرة‏:‏ هل عشنا في الإسكندرية؟‏..‏ قالت‏:‏ نعم‏..‏ كان أبوك يعمل مدرسا هناك‏..‏ سألتها‏:‏ هل كانت عندي عربة أطفال‏..‏ هل كان لدي رداء من الصوف المشغول؟‏..‏ قالت‏:‏ نعم‏.‏
سألت نفسي‏:‏ أين ذهبت عربة الأطفال؟‏..‏ وأين ذهب الرداء الصوفي؟ وأين ذهبت أمي؟

اختفي الثلاثة بالموت علي ثلاث مراحل متعاقبة‏..‏ لم يعد باقيا سوي البحر‏.‏
في طفولتي كان هناك البحر والعربة والرداء وأمي‏..‏ لم يكن إحساسي يومئذ يستطيع أن يميز بيني وبين العربة والبحر والصوف وأمي‏..‏ كنت أحس أنني أنا البحر والعربة والصوف‏,‏ وقد وقفنا معا نحدق في السر‏,‏ وكنت أحس أحيانا أخري أنني شيء يختلف عن كل ما أراه‏..‏ وأحيانا كنت أحس أنني أتلقي قبلات مبللة بعطر البحر حين يقع علي وجهي رذاذ البحر الذي يتناثر من الموج وهو يتكسر علي منطقة صخرية‏.‏

ومن الغريب أنني لا أذكر وجه أمي في هذا المشهد‏..‏ أذكر ملمس الصوف وأحس بحركة العربة‏..‏ ولكنني لا أذكر وجوها بما في ذلك وجهي نفسه‏..‏ كانت الصورة تخلو تماما من البشر‏,‏ لم يكن فيها غير كائنات وعناصر‏,‏ ومن بين هذه الكائنات كان البحر أضخمها‏.‏

هل وقعت في حب البحر منذ هذا العمر‏..‏ أم أن لهذا الحب تاريخا سابقا يرجع إلي الأيام التي كان فيها عرشه علي الماء؟
مضيت أحدق في البحر في سهوم‏..‏

يتبع بمشيئة الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين أكتوبر 27, 2008 3:41 am 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
‏19‏ ـ الطريق إلي الله

موقف البحر‏(‏ لمحمد بن عبدالجبار النفري‏)‏
أوقفني في البحر فرأيت المراكب تغرق‏,‏ والألواح تطفو‏,‏ ثم غرقت الألواح‏..‏ وقال لي‏:‏ لايسلم من ركب‏.‏

وقال لي‏:‏ خاطر بنفسه من ألقي نفسه ولم يركب‏.‏
وقال لي‏:‏ هلك من ركب وما خاطر‏.‏

وقال لي‏:‏ في المخاطرة جزء من النجاة‏,‏ وجاء الموج فرفع ماتحته وساح علي الساحل‏.‏
وقال لي‏:‏ ظاهر البحر ضوء لايبلغ‏,‏ وقعره ظلمة لاتري‏,‏ وبينهما حيتان لاتستأمن‏.‏

وقال لي‏:‏ لاتركب البحر فأحجبك بالآلة‏.‏ ولا تلق نفسك فيه فأحجبك به‏.‏
وقال لي‏:‏ إذا وهبت نفسك للبحر فغرقت فيه كنت كدابة من دوابه‏.‏

وقال لي‏:‏ غششتك إن دللتك علي سواي‏.‏
وقال لي‏:‏ إن هلكت في سواي كنت لما هلكت فيه‏.‏

وقال لي‏:‏ الدنيا لمن صرفته عنها وصرفتها عنه‏..‏ والآخرة لمن أقبلت بها اليه وأقبلت به علي‏.‏
مضيت أحدق في البحر وأرقب أمواجه المتدافعة‏.‏

إن كل موجة مقبلة تبدو وكأنها تريد أن تقول شيئا ما‏.‏

شيئا بالغ الأهمية والخطورة‏.‏
ولكن هذا الشيء من الجلال والجمال بحيث يعجز البحر عن تحويله الي كلمات‏,‏ ومن ثم يكتفي بانقلاب موجاته وانسياحها علي الشاطيء‏.‏

وبدا لي في انقلاب الموج شيء يشبه الغضب‏..‏ لكنه كان غضبا لايقول شيئا‏,‏ وشدقا فمه يفوران بالزبد‏..‏ إن الموجة تضرب الشاطيء ثم يرهقها الغضب فتنداح عائدة‏.‏

تهدأ وتنسحب‏..‏ ثم تبدأ رحلة العودة الي البحر حيث تذوب في موجة ثانية‏..‏ ويتكرر المشهد بلا توقف ولا تغيير‏.‏

وكلما فتح الموج فمه المائي ليقول السر أدرك أن السر أعظم من أي كلمات ويغلق فمه علي السر‏,‏ وتتردد موجاته علي الشاطيء‏..‏ هادئة في أيام الهدوء عاصفة أيام العواصف‏.‏

أيكون للبحر مزاج بوصفه مخلوقا‏..‏ ولكل مخلوق مزاجه‏.‏

مضيت أحدق في البحر فسمعت قوله تعالي‏:‏ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا‏.‏

يتبع بمشيئة الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين أكتوبر 27, 2008 3:45 am 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
‏20‏ ـ الطريق الي الله

يحلو للأطفال أن يطوحوا الأشياء من الشباك‏.‏ كما يحلو لهم أن يضعوا في أفواههم مالا يصلح للأكل‏..‏ وقد خضعت في طفولتي لهذا القانون الفوضوي‏.‏

كنت مغرما برمي الحلي الذهبية لأمي من الشباك‏,‏ وكنت مغرما بوضع أشد الأشياء غرابة في فمي توطئة لابتلاعها‏.‏

وكثيرا ماحدثتني أمي أن كراهيتي للذهب قد بدأت منذ طفولتي‏.‏ وما أكثر ما ألقيت أسورة أمي الذهب من البلكونة أو حلقها أو خاتمها‏,‏ كان يكفي أن تخلع أمي الحلق وتنساه مثلا في غرفة نومها حتي أدخل متلصصا وأمسك في يدي الغنيمة ثم أسرع نحو البلكونة أو الشباك وأطوح الغنيمة علي طول ذراعي‏.‏

وتكتشف أمي ماحدث بعد دقائق أو ساعات‏,‏ وتنزل الشغالة للبحث أمام البيت عن الحلق الضائع أو الأسورة المفقودة‏.‏

ثمة شيء كان يستفزني في لمعان الذهب‏..‏ كنت أحس أن هذا المعدن اللعين هو معبود العصر‏,‏ ولهذا كنت أحاربه بأسلوب طفولي بحت‏,‏ أم أنني كنت أستغل حمق طفولتي وأتمرن علي حمق رجولتي فيما بعد تجاه الذهب؟

أيضا كان من هواياتي وضع الأشياء التي لاتؤكل في فمي‏,‏ إشارة موحية الي أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان‏.‏

ذات يوم‏..‏ كانت أمي تخيط فستانا لها وكانت تضع جوارها مجموعة من الدبابيس المشبك فتناولت دبوسا منها ووضعته في فمي وابتلعته‏.‏

هي عبقرية بغير شك‏..‏ كذلك حدثت نفسي أو حدثني الدبوس‏,‏ ولكنني لم أكد أفعل حتي مدت أمي يدها الي الدبوس فلم تجده والتفتت الي فضبطتني متلبسا بابتلاع شيء‏..‏ صرخت أمي صرخة طويلة أفزعتني وأفزعت الدبوس الذي ابتلعته‏..‏ اندفعت أمي نحوي وأمسكت برأسي وفتحت فمي بالقوة ومدت يدها بحثا عن الدبوس فلم تجده‏.‏

وانخرطت في بكاء يتسم بالهلع فزادت حيرتي‏..‏ ثم هرعت الي التليفون وحدثت أبي وهي تشهق بالبكاء أن يحضر فورا‏.‏

حضر أبي بعد دقائق ولونه أقرب الي الليمون الأخضر‏.‏ دخل وراح يسألني‏:‏ بماذا تحس؟

بصراحة لم أكن أحس بأي قلق‏..‏ كان الدبوس داخلي مطمئنا تماما‏.‏

يتبع بمشيئة الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء أكتوبر 29, 2008 10:23 am 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
‏21‏ ـ الطريق إلي الله

لم أفهم سر الهلع الذي انتاب الأسرة كلها حين ابتلعت دبوسا من باب التجربة‏,‏ هل التجربة الإنسانية حرام؟

لم أكن أفهم سر اضطراب الجميع‏,‏ ولا فهمت سر تجمع الأسرة كلها‏,‏ ولا فهمت سر الدموع التي كان الجميع يذرفونها من أجلي‏.‏

لم يكن الدبوس يؤلمني‏.‏

بعد ساعات حملتني الأسرة إلي طبيب‏..‏ لم يصدق الطبيب ما حدث‏..‏ سألني‏:‏ أنت بلعت الدبوس؟

أجبته بابتسامة بريئة‏..‏ أصر الطبيب علي عمل أشعة علي الفور‏,‏ وجاءت نتيجة الأشعة بالإيجاب‏..‏ كان هناك دبوس في معدتي‏.‏

قال الطبيب وهو يتأمل صورة الأشعة‏:‏ ليس أمامنا إلا الصلاة‏..‏ الأمر كله في يد الله‏..‏ أفهم الطبيب أمي أن علي أن آكل كمية من القطن‏,‏ حتي تنزل إلي المعدة وتلتف حول الدبوس‏,‏ ثم أوصي الطبيب أمي أن تنخل بقايا الطعام بعد الهضم بحثا عن الدبوس‏.‏

رفضت تماما أن آكل القطن‏,‏ لقد أكلت الدبوس كالحواة لكنني رفضت أكل اقطن‏,‏ ليس للقطن أي طعم‏,‏ أما الدبوس فله طعم المعدن الذي صنع منه‏,‏ توسلت إلي أمي وهي جاثية علي ركبتيها أن آكل القطن فحاولت‏,‏ ولكنني فشلت تماما‏..‏ وانتابت الأسرة حالة ذعر لم أفهمها قط‏.‏

كنت أسمع حوارهم وهو يتواثب من موضوع إلي موضوع‏..‏ وكلمة الموت تتردد فيه‏,‏ وفهمت أخيرا أنني يمكن أن أموت لأنني ابتلعت دبوسا‏,‏ ولأمر لا أدريه لم أكن أصدق أنني سأموت‏..‏ خيل إلي ـ يومئذ ـ أنني لن أموت بسبب دبوس‏,‏ يجب أن أبتلع قنبلة لأموت‏..‏ خيل إلي أن الله لن يعيدني إلي الموت مرة ثانية بسبب تجربة تشبه تجربة آدم في الأكل من الشجرة‏.‏

لقد أكل آدم ما نهي عن أكله‏.‏

وابتلعت أنا ما لا ينبغي ابتلاعه‏,‏ ورحم الله آدم كما سيرحمني‏..‏ أذكر الليالي الطويلة التي سهرت فيها أمي جوار فراشي وهي تصلي‏..‏ أذكر الليالي الطويلة التي سهر فيها أبي وهو يصلي‏..‏ لم تكن أمي تصلي قبل هذا الحادث‏..‏ وكذلك أبي‏..‏ دفعهما الخوف في قلب الصلاة‏,‏ ثم نزل الدبوس ذات يوم كما ابتلعته‏.‏

أدخلته في جوفي يد الحماقة البشرية‏..‏ وأخرجته من جسدي يد اللطف الإلهي‏.‏

يتبع بمشيئة الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء أكتوبر 29, 2008 10:27 am 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
22ـ الطريق إلي الله

رابط المقالة لا يعمل ، أعتذر عن عدم إنزالها.

يتبع بمشيئة الله بالحلقة 23 مباشرة ً


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء أكتوبر 29, 2008 10:28 am 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
‏23‏ ـ الطريق إلي الله

لماذا خلق الله المدرسين والمدارس؟

لماذا لاتكون الحياة مجرد حواديت من الجدات فحسب؟

لماذا تكون هناك امتحانات هدفها اعتصار التلميذ ومعرفة حظه من الحفظ؟ لماذا يضربنا المدرسون؟ ولماذا يقحمون علي عقولنا كل هذه الكمية الهائلة من المعلومات السخيفة؟

لاريب أن هناك مناطق اخري ليست فيها مدارس‏..‏ لاريب أن علي سطح كوكبنا الارض غابات تضم وحوشا وليست فيها مدارس‏..‏ كنت أفضل العيش في غابة علي الحياة في مدرسة‏..‏ كنت ساذجا‏.‏

لم أكن اعرف أن مهمة المدارس تخريج وحوش كالغابات تماما‏,‏ لكنهم وحوش يتحركون طبقا لخطة مدروسة وخرائط وانابيب اختبار‏..‏ ومثل القضاء الداهم أو الزلزال المزلزل يأتي الامتحان فيلتهم من يلتهمه من الوحوش التي يربونها في المدارس‏.‏

تتحول الوحوش إلي مخلوقات مسكينة بائسة ترتعش في ملابسها من الخوف‏,‏ ورغم ان الامتحان محدد في يوم معين من ايام السنة وهو عادة أخر ايام السنة الدراسية‏..‏ وبرغم ذلك كان الامتحان يفاجئنا دائما‏..‏ وكان يفاجئني بشكل خاص

كنت أكره اساسا فكرة أن يمتحن الانسان الكبير اخاه الانسان الصغير‏,‏ وكانت هناك علوم احبها وعلوم اكرهها‏,‏ ومواد تستهويني ومواد انفر منها‏,‏ كان التاريخ يشبه مجموعة من الحواديت الجميلة ذات المعاني التي تشبه حكايات جدتي‏,‏ أما الجغرافيا فكانت طعاما لا يستطيع ذهني ابتلاعه‏,‏ ورغم انني سأصير عندما اكبر عاشقا للاماكن‏,‏ فلقد كانوا يدرسون لنا الجغرافيا بأسلوب تقليدي لا يعلم الحب‏.‏

ورغم حبي لله‏,‏ فقد نجحت دروس الدين في مرحلة الطفولة ان تزرع في نفوسنا لا شيء‏,‏ لا الحب ولا الكراهية‏,‏ ولا الإيمان ولاالخوف‏,‏ كانت حصة الدين هي حصة النوم العميق‏..‏ كان المدرس يأمرنا ان نخرج كتاب الدين ونطالع فيه‏.‏

وأحيانا ينقض السؤال علي رأسك وانت نائم فيوقظك بغتة‏.‏

وتنهض مفزوعا فيعاود المدرس صك سمعك بالسؤال‏..‏ آه‏..‏ انت نائم اذن‏.‏

ما الفرق بينك وبين احد السباع أو الحمير الوحشية النائمة‏..‏ انه نائم وأنت نائم‏.‏

يتبع بمشيئة الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء أكتوبر 29, 2008 10:30 am 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
‏24‏ ـ الطريق إلي الله

قال مدرس اللغة العربية‏:‏

اقرأ يا ولد

قلت‏:‏ قال الله تعالي‏:‏ واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا‏..‏ صدق الله العظيم‏.‏

قال المدرس‏:‏ عظيم‏..‏ ما معني وتبتل إليه تبتيلا؟

سقط علي السؤال كما سقطت التفاحة علي رأس نيوتن‏..‏ مع فارق بسيط‏,‏ أنه اكتشف من سقوطها قانونا من قوانين الكون‏,‏ أما أنا فأكلت التفاحة وعدت إلي النوم‏.‏

قال المدرس‏:‏ ما معني تبتيلا؟

زاد السؤال صعوبة‏,‏ وخيل إلي أن الله يريد منا أن نحبه‏,‏ ولم أعرف لماذا يريد الله منا أن نحبه‏.‏

رفع مدرس اللغة يده بالمسطرة وقال‏:‏

هات إيدك‏.‏

مددت يدي أمامي‏..‏ وسقطت المسطرة بعنف لا يخلو من حنان‏..‏ كان المدرس غاضبا لأنني لم أعرف‏.‏

وأنشأ يحدثني بلطف وبرود وهو يضربني علي يدي الممدودة‏:‏

ـ أنت لا تعرف‏..‏ لماذا؟ هل أنت حيوان؟ ألست إنسانا؟ أليست مهمة الإنسان هي المعرفة؟ هل تعتقد أنك حمار جاء إلي الدنيا ليأكل ويشرب وينهق قليلا ثم يمضي عنها؟ هل أنت حمار؟ الحمار لا يعرف‏..‏ هو الذي يسكت إذا سأله أحد‏..‏ هيه‏.‏

هذا يكفيك كعقوبة‏..‏ التبتل هو الذوبان في العبادة‏..‏ هو العكوف عليها والاشتغال بها والانقطاع عن السوي‏.‏

لا أعرف أين هو اليوم‏..‏ يرحمه الله حيا أو ميتا‏..‏ لقد فهمت ما قاله ولكنني فضلت ـ فيما بعد ـ أن أفسر وتبتل إليه تبتيلا ببضعة أبيات من الشعر‏:‏

ذكرتك لا أني نسيتك لمحة

وأيسر ما في الذكر ذكر لساني

وصرت بلا وجد أهيم من الهوي

وهام علي القلب بالخفقان

فلما أراني الوجد أنك حاضري

شهدتك موجودا بكل مكان

فخاطبت موجودا بغير تكلم

وشاهدت موجودا بغير عيان

أعرف اليوم أن قلوب العارفين لها عيون‏..‏ تري ما لا يراه الناظرون‏,‏ أعرف أن لها ألسنة تناجي برموز السر ما يخفي عن الكرام الكاتبين‏..‏ أعرف هذا كله الآن‏..‏ لكنني لم أعرف جواب السؤال عندما سئلت‏.‏

يتبع بمشيئة الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء أكتوبر 29, 2008 10:31 am 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
‏24‏ ـ الطريق إلي الله

قال مدرس اللغة العربية‏:‏

اقرأ يا ولد

قلت‏:‏ قال الله تعالي‏:‏ واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا‏..‏ صدق الله العظيم‏.‏

قال المدرس‏:‏ عظيم‏..‏ ما معني وتبتل إليه تبتيلا؟

سقط علي السؤال كما سقطت التفاحة علي رأس نيوتن‏..‏ مع فارق بسيط‏,‏ أنه اكتشف من سقوطها قانونا من قوانين الكون‏,‏ أما أنا فأكلت التفاحة وعدت إلي النوم‏.‏

قال المدرس‏:‏ ما معني تبتيلا؟

زاد السؤال صعوبة‏,‏ وخيل إلي أن الله يريد منا أن نحبه‏,‏ ولم أعرف لماذا يريد الله منا أن نحبه‏.‏

رفع مدرس اللغة يده بالمسطرة وقال‏:‏

هات إيدك‏.‏

مددت يدي أمامي‏..‏ وسقطت المسطرة بعنف لا يخلو من حنان‏..‏ كان المدرس غاضبا لأنني لم أعرف‏.‏

وأنشأ يحدثني بلطف وبرود وهو يضربني علي يدي الممدودة‏:‏

ـ أنت لا تعرف‏..‏ لماذا؟ هل أنت حيوان؟ ألست إنسانا؟ أليست مهمة الإنسان هي المعرفة؟ هل تعتقد أنك حمار جاء إلي الدنيا ليأكل ويشرب وينهق قليلا ثم يمضي عنها؟ هل أنت حمار؟ الحمار لا يعرف‏..‏ هو الذي يسكت إذا سأله أحد‏..‏ هيه‏.‏

هذا يكفيك كعقوبة‏..‏ التبتل هو الذوبان في العبادة‏..‏ هو العكوف عليها والاشتغال بها والانقطاع عن السوي‏.‏

لا أعرف أين هو اليوم‏..‏ يرحمه الله حيا أو ميتا‏..‏ لقد فهمت ما قاله ولكنني فضلت ـ فيما بعد ـ أن أفسر وتبتل إليه تبتيلا ببضعة أبيات من الشعر‏:‏

ذكرتك لا أني نسيتك لمحة

وأيسر ما في الذكر ذكر لساني

وصرت بلا وجد أهيم من الهوي

وهام علي القلب بالخفقان

فلما أراني الوجد أنك حاضري

شهدتك موجودا بكل مكان

فخاطبت موجودا بغير تكلم

وشاهدت موجودا بغير عيان

أعرف اليوم أن قلوب العارفين لها عيون‏..‏ تري ما لا يراه الناظرون‏,‏ أعرف أن لها ألسنة تناجي برموز السر ما يخفي عن الكرام الكاتبين‏..‏ أعرف هذا كله الآن‏..‏ لكنني لم أعرف جواب السؤال عندما سئلت‏.‏

يتبع بمشيئة الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الثلاثاء نوفمبر 04, 2008 5:56 am 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
‏25‏ ـ الطريق إلي الله

صلي وصام لأمر كان يطلبه
فلما انقضي الأمر لا صلي ولا صاما
الامتحان الكبير علي الأبواب

يسكن الرعب في غرفة تمتلئ بالأشباح والعناكب والأرواح الشريرة‏,‏ وداخل هذه الغرفة أعيش‏..‏ أتنفس وأرتعش وأوجد‏..‏ وتنظر عن يمينك فلا تري سوي الهلاك‏..‏ أما يسارك فهلاك مماثل‏,‏ ووراءك وأمامك أهوال من الهلاك المؤكد‏.‏
ووسط هذه الظلمة المظلمة والرعب الوبيل لا يبقي لك إلا أن تتوجه بكل وجودك الروحي إلي الله‏,‏ وليس أمامك إلا أن ترفع أكف الضراعة وتسأل‏:‏ يارب

تقولها ويمنعك الرعب من أهوال الامتحان أن تكمل‏.‏
أوقفني وقال لي‏:‏ إذا رأيتني كان فقرك في إجابة المسألة‏.‏
وقال لي‏:‏ إذا رأيتني فانظر إلي أكن بينك وبين الأشياء‏.‏

وإذا لم ترني فنادني لا لأظهر‏,‏ ولا لتراني‏,‏ ولكن لأني أحب نداء أحبائي لي‏,‏ وقال لي‏:‏ أفل الليل‏,‏ وطلع وجه السحر‏,‏ وقام الفجر علي الساحة‏,‏ فاستيقظي أيتها النفس النائمة وقفي في مصلاك‏.‏

وقال لي‏:‏ أليت لا يجدني طالب إلا في الصلاة‏..‏ موقف ضراعة‏(‏ النفري‏).‏
انتهي الأمر وهربت من مرعبات الدنيا إلي جزيرة الأمن الوحيدة في الدنيا‏..‏ أيمكن أن تكون الجزيرة زمنا لا أرضا‏.‏

إن الصلاة جزيرة‏..‏ وبرغم ذلك فهي وقت وليست أرضا‏.‏
تشبه الصلاة الجنة تماما‏.‏

كانت الجنة زمانا هي زمان القرب من الله‏.‏
والصلاة هي الأخري زمان القرب من الله‏.‏

في الجنة كان الله هو القريب منا بمشيئته‏..‏ وفي الصلاة يكون الإنسان هو القريب من الله بإرادته‏.‏
تحكم الصلاة نفس قوانين الجنة‏.‏

يمنحك الإسلام خمس زيارات للجنة كل يوم‏..‏ إذا كنت تتذوق في الصلاة ثمار الجنة‏,‏ فأنت حقا تصلي‏..‏ وإذا كنت لا تحس بشيء فأنت تمثل دور المصلي مثلي‏.

يتبع بمشيئة الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الثلاثاء نوفمبر 04, 2008 5:57 am 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء مارس 09, 2004 7:41 pm
مشاركات: 896
‏25‏ ـ الطريق إلي الله

صلي وصام لأمر كان يطلبه
فلما انقضي الأمر لا صلي ولا صاما
الامتحان الكبير علي الأبواب

يسكن الرعب في غرفة تمتلئ بالأشباح والعناكب والأرواح الشريرة‏,‏ وداخل هذه الغرفة أعيش‏..‏ أتنفس وأرتعش وأوجد‏..‏ وتنظر عن يمينك فلا تري سوي الهلاك‏..‏ أما يسارك فهلاك مماثل‏,‏ ووراءك وأمامك أهوال من الهلاك المؤكد‏.‏
ووسط هذه الظلمة المظلمة والرعب الوبيل لا يبقي لك إلا أن تتوجه بكل وجودك الروحي إلي الله‏,‏ وليس أمامك إلا أن ترفع أكف الضراعة وتسأل‏:‏ يارب

تقولها ويمنعك الرعب من أهوال الامتحان أن تكمل‏.‏
أوقفني وقال لي‏:‏ إذا رأيتني كان فقرك في إجابة المسألة‏.‏
وقال لي‏:‏ إذا رأيتني فانظر إلي أكن بينك وبين الأشياء‏.‏

وإذا لم ترني فنادني لا لأظهر‏,‏ ولا لتراني‏,‏ ولكن لأني أحب نداء أحبائي لي‏,‏ وقال لي‏:‏ أفل الليل‏,‏ وطلع وجه السحر‏,‏ وقام الفجر علي الساحة‏,‏ فاستيقظي أيتها النفس النائمة وقفي في مصلاك‏.‏

وقال لي‏:‏ أليت لا يجدني طالب إلا في الصلاة‏..‏ موقف ضراعة‏(‏ النفري‏).‏
انتهي الأمر وهربت من مرعبات الدنيا إلي جزيرة الأمن الوحيدة في الدنيا‏..‏ أيمكن أن تكون الجزيرة زمنا لا أرضا‏.‏

إن الصلاة جزيرة‏..‏ وبرغم ذلك فهي وقت وليست أرضا‏.‏
تشبه الصلاة الجنة تماما‏.‏

كانت الجنة زمانا هي زمان القرب من الله‏.‏
والصلاة هي الأخري زمان القرب من الله‏.‏

في الجنة كان الله هو القريب منا بمشيئته‏..‏ وفي الصلاة يكون الإنسان هو القريب من الله بإرادته‏.‏
تحكم الصلاة نفس قوانين الجنة‏.‏

يمنحك الإسلام خمس زيارات للجنة كل يوم‏..‏ إذا كنت تتذوق في الصلاة ثمار الجنة‏,‏ فأنت حقا تصلي‏..‏ وإذا كنت لا تحس بشيء فأنت تمثل دور المصلي مثلي‏.

يتبع بمشيئة الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 38 مشاركة ]  الانتقال إلى صفحة السابق  1, 2, 3  التالي

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 11 زائر/زوار


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط