الثقوب السوداء الاولية
عندما نذكر الثقوب السوداء، يتبادر إلى الأذهان مشهد نجوم ضخمة تنهار على نفسها في نهاية عمرها، لتُنتج أجسامًا غريبة تتميز بجاذبية هائلة لا يفلت منها حتى الضوء. لكن هناك نوعًا آخر من الثقوب السوداء يختلف كليًا في منشئه وطبيعته: إنها الثقوب السوداء الاولية — أجسام غامضة يُعتقد أنها تشكّلت في اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم، نتيجة لظروف كثيفة واستثنائية في الكون المبكر.
الثقوب السوداء الاولية هي نوع من الثقوب السوداء لم يتكوّن نتيجة لانهيار نجم، بل نشأ بفعل تقلبات شديدة الكثافة في الكون المبكر، خلال جزء من الثانية فقط بعد الانفجار العظيم. في تلك اللحظات، كان الكون صغيرًا للغاية، بالغ السخونة والكثافة، وكانت المادة والطاقة في حالة فوضى شديدة. ويُعتقد أنه في بعض المناطق، تركزت الكثافة بدرجة كبيرة جعلت الجاذبية تتغلب على أي قوى أخرى، مما أدى إلى انهيار المادة فورًا وتكوّن ثقب أسود. وهذا يعني أن الثقوب السوداء الاولية قد تكون أقدم من النجوم وحتى من المجرات نفسها.
تتميّز الثقوب السوداء الاولية عن الثقوب السوداء العادية في أصلها وتكوينها. فبينما تتشكّل الثقوب السوداء العادية بعد مليارات السنين من حياة نجم ضخم ينهار تحت تأثير جاذبيته، يُعتقد أن الثقوب السوداء الاولية قد تكون نشأت خلال أجزاء من الثانية بعد الانفجار العظيم، نتيجة لتقلبات كثيفة في الكون المبكر. كما أن أحجامها وكتلها قد تكون غير مألوفة؛ فبعضها قد يكون صغيرًا للغاية، بحجم كرة التنس مثلًا، لكنه يحمل كتلة تعادل كتلة جبل! في حين أن بعضها الآخر قد يكون أكبر حجمًا، وربما لعب دورًا في تكوين نوى المجرات في بدايات الكون.
رغم أن الثقوب السوداء الاولية لم تُكتشف حتى الآن بشكل مباشر، فإنها تحظى بأهمية كبيرة في الفيزياء وعلم الكون. إذ تُعد مرشّحًا محتملًا لتفسير المادة المظلمة، التي تُعد من أعظم ألغاز الكون. فهذه المادة، غير المرئية، نستدل على وجودها من تأثيرها الجاذبي على حركة المجرات. ويقترح بعض العلماء أن الثقوب السوداء الاولية قد تشكّل جزءًا من هذه المادة الغامضة. علاوة على ذلك، يُعتقد أن هذه الثقوب قد تكون مصدرًا لموجات الجاذبية، ولكن بترددات منخفضة جدًا مقارنة بتلك التي رصدها مرصد "ليجو" (LIGO).
ومن هنا، فإن دراسة الثقوب السوداء الاولية قد تفتح نافذة لفهم فيزياء المراحل الأولى من عمر الكون. لا يزال البحث عن الثقوب السوداء الاولية جاريًا عبر عدة مسارات، من أبرزها: رصد انحناء الضوء القادم من النجوم البعيدة، فيما يُعرف بعدسة الجاذبية. تحليل موجات الجاذبية الناتجة عن تصادم الأجرام الضخمة. تتبّع آثار تبخر الثقوب السوداء الصغيرة وفقًا لتنبؤات نظرية هوكينج. ورغم صعوبة رصد هذه الثقوب، فإنها تظل من أكثر الفرضيات إثارة في الفيزياء الحديثة. وإذا أمكن العثور على دليل قاطع على وجودها، فقد يكون ذلك مفتاحًا لكشف أسرار الكون وطبيعة نشأته الأولى.
https://www.facebook.com/share/p/1DVjXEf8yj/